كتاب مستخرج أبي عوانة ط الجامعة الإسلامية (اسم الجزء: 3)
985 - حدثنا إبراهيم الحربي، نا محمد بن الصباح (¬1)، نا سفيان، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة -رضي الله عنها- أنّ ابنة جحش -رضي الله عنها- استحيضت، فكانت تمكث سبع سنين وتجلس في مركن (¬2) فيعلوه الدم، فأتت النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، فأمرها أن تترك الصلاة قدر أقرائها (¬3)، ثم تغتسل وتصلي. تقول: "ثم يأمرها أن تغتسل لكل صلاة" (¬4).
¬_________
(¬1) هو أبو جعفر الجرجرائي مات سنة 240 هـ / د ق وثقه ابن معين في رواية ابن محرز، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم. وذكر يعقوب بن شيبة السدوسي أنَّه ذكر ليحيى بن معين ابن الصباح، فقال يحيى: حدث بحديث منكر عن علي بن ثابت ... ثم قال يعقوب: ... وإنَّما يرويه علي بن نزار شيخ ضعيف، ولم يذكر يحيى محمد بن الصباح هذا بسوء. وقال الحافظ ابن حجر: صدوق. انظر: التاريخ 2/ 522، وابن محرز الترجمة 291، والجرح والتعديل 7/ 289، والثقات 9/ 103، وتاريخ بغداد 5/ 367، وتهذيب الكمال 25/ 384، والكاشف 2/ 181، والمغني 2/ 593، والتقريب ص 484.
(¬2) هكذا في "الأصل" و"م" بالتنكير، وفي "ك" و"ط" بالتعريف.
(¬3) القرء -بالفتح- يجمع على أقراء وقروء، وأقرئ في أدنى العدد، وهي من الأضداد، يقع على الحيض كما في هذا الحديث ويقع أيضا على الطهر، والأصل في القرء الوقت المعلوم، فلذلك وقع على الضدين لأن لكل منهما وقتًا. انظر: غريب الحديث 1/ 280، والصحاح 1/ 64، والنهاية 4/ 32.
(¬4) وقد أخرجه مسلم -رحمه الله- عن محمد بن المثنى عن ابن عيينة به. انظر: صحيحه، كتاب الحيض باب المستحاضة وغسلها وصلاتها برقم 1/ 264. =
-[197]- = وقد وقع في رواية أبي عوانة -رحمه الله- تمييز المتن المحال به على المتن المحال عليه، حيث إن الإمام مسلما -رحمه الله- قال عقب سياق سنده بنحو حديثهم ويعد ذلك من فوائد الاستخراج.
والأحاديث المحال عليها عند مسلم -رحمه الله- فيها الأمر المطلق بالاغتسال، وقد اتفق الشيخان على إخراجها من طريق الزهري عن عروة وعمرة، عن عائشة -رضي الله عنها- أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين فسألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك فأمرها أن تغتسل فقال: "هذا عرق" فكانت تغتسل لكل صلاة. انظر: صحيح البخاري برقم 327، 1/ 508، وصحيح مسلم برقم 63 - 64، 1/ 263.
وقد رواها عشرة من أعيان أصحاب الزهري عنه هكذا، وانفرد محمد بن إسحاق، وسليمان بن كثير عند أبي داود برقم 292، فروياه عن الزهري عن عروة عن عائشة -رضي الله عنها- به. فقالا: أمرها النبي -صلى الله عليه وسلم- بالغسل لكل صلاة.
وقد تكلم في روايتهما عن الزهري أساسًا، فتكون رواية الجماعة عن الزهري هي الراجحة وروايتهما عنه مرجوحة.
وإنما الأمر بالاغتسال لكل صلاة معروف من حديث يزيد بن الهاد عن أبي بكر بن حزم عن عمرة عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: إن أم حبيبة بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وأنها استحيضت لا تطهر فذكر شأنّها لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ليست بالحيضة ولكنها ركضة من الرحم، لتنظر قدر قرئها التي كانت تحيض لها فلتترك الصلاة، ثم تنظر ما بعد ذلك فلتغتسل عند كل صلاة". وقد أخرجه النسائي برقم 354، 1/ 201، عن الربيع بن سليمان الجيزي عن إسحاق بن بكر بن مضر عن أبيه، عن يزيد بن الهاد به. وإسناده صحيح.
وأخرجه المصنف -رحمه الله- عن أبيه، عن أبي مروان، عن الدراوردي، عن يزيد بن =
-[198]- = الهاد به. وإسناده حسن، وسيورده بعد ثلاثة أحاديث. وله شاهد أيضا ممّا أخرجه أبو داود بسند صحيح عن زينب بنت أم سلمة -رضي الله عنها- برقم 293، أن امرأة كانت تهراق الدم وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمرها أن تغتسل عند كل صلاة، وصححه الشيخ الألباني - حفظه الله - برقم 277.
وروى البيهقي عن الحكم عن أبي بكر الفقيه قال: قال بعض مشايخنا: خبر ابن الهاد غير محفوظ. ولكن قد أجاب ابن التركماني على ذلك بأجوبة مقنعة تثبت صحة هذا الخبر. وهذه تقوى رواية ابن إسحاق وسليمان بن كثير، وبذلك يكون أمر المستحاضة بالاغتسال لكل صلاة قد ثبت بسندين صحيحين.
وبالجملة فإن أحاديث الباب تدور على أربعة أقسام:
قسم فيه الأمر المطلق بالاغتسال، وقد اتفق الشيخان عليه كما سبق. وقسم فيه الأمر بالاغتسال لكل صلاة وقد ثبت بطريقين صحيحين كما تقدم أيضًا.
وقسم فيه التخيير بين الاكتفاء بغسل واحد عقب مدة الحيض، والجمع بين الظهر والعصر بغسل واحد، وكذلك المغرب والعشاء، والغسل لصلاة الفجر، وقد أخرجه أبو داود برقم 287، من طريق زهير بن محمد، والترمذى برقم 128، من طريق زهير بن محمد أيضا.
وابن ماجه برقم 627 من طريق شريك بن عبد الله النخعي، والحكم 1/ 172 من طريق زهير وعبيد الله بن عمرو الرقى ثلاثتهم عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش -رضي الله عنها- قالت: كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة فأتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أستفتيه ... وفيه: "سآمرك بأمرين أيهما فعلت أجزأ عنك من الآخر وإن قويت عليهما فأنت أعلم" قال لها: "إن هذه ركضة من ركضات الشيطان فتحيضي ستة أيام =
-[199]- = أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلى ثلاثًا وعشرين ليلة أو أربعًا وعشرين ليلة وأيامها وصومي فإن ذلك يجزيك، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن، وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر وتؤخري المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي وتغتسلين مع الفجر فافعلي ...
والحديث مداره على عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد تكلم فيه من قبل حفظه.
قال الحافظ في التقريب: صدوق في حديثه لين، ويقال: تغير بأخرة من الرابعة مات بعد 140/ بخ د ت ق.
وقال الإمام الذهبي في الكاشف: قال أبو حاتم وعدّة: لين الحديث.
وقال ابن خزيمة: لا أحتج به.
وقال في المغني: حسن الحديث احتج به أحمد وإسحاق.
وقال في الميزان: حديثه في مرتبة الحسن.
وحسن الترمذي حديثه أحيانًا.
وبقية رجاله ثقات، فالإسناد حسن إن شاء الله.
وسئل أبو حاتم عن هذا الحديث فوهنه ولم يقوّ إسناده.
وقال البيهقي: تفرد به ابن عقيل وهو مختلف في الاحتجاج به. لكن قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال: سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: هو حديث حسن صحيح، ونقل أيضا عن الإمام أحمد أنَّه قال: إنَّه حديث حسن صحيح، وحسّنه الشيخ الألباني وأحمد شكر. فيترجح تحسينه إن شاء الله تعالى.
وقسم فيه الأمر بالغسل مرة واحدة بعد أيام الأقراء ثم الوضوء عند كل صلاة. =
-[200]- = وقد أخرجه البخاري برقم 228، من طريق أبي معاوية، والنسائي 1/ 185 من طريق حماد بن زيد، والدارمي 1/ 199، من طريق حماد بن سلمة، وابن حبان برقم 1354، 1355 من طريق أبي حمزة السكري، وأبي عوانة خمستهم عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة -رضي الله عنها- أن فاطمة بنت أبي حبيش أتت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله، إنيّ أستحاض الشهر والشهرين. قال: "ليس ذاك بحيض ولكنه عرق فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة عدد أيامك التي كنت تحيضين فيه، فإذا أدبرت فاغتسلي وتوضئي لكل صلاة".
قال الطحاوي -رحمه الله-: حديث أم حبيبة منسوخ بحديث فاطمة بنت أبي حبيش لأن فيه الأمر بالوضوء لكل صلاة لا الغسل. اهـ.
وأشار أيضًا إلى إمكان الجمع بينهما. وهو أولى لأن القول بالنسخ يحتاج إلى التنصيص أو معرفة المتقدم من المتأخر.
وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: والجمع بين الحديثين بحمل الأمر في حديث أم حبيبة -بالاغتسال لكل صلاة- على الندب أولى واستحسن الشوكاني -رحمه الله- هذا الجمع، وقال: إن قوله في الحديث أيهما فعلت أجزأ عنك قرينة دالة على عدم الوجوب.
وقال: قال المصنف -رحمه الله-: فيه أن الغسل لكل صلاة لا يجب بل يجزئها الغسل لحيضها الذي تجلسه. اهـ.
وهذه قرينة صالحة لصرف الأمر بالاغتسال لكل صلاة عن الوجوب إلى الاستحباب وبذلك تجتمع الأحاديث والله سبحانه وتعالى أعلم. انظر: شرح معاني الآثار 1/ 98، وعلل ابن أبي حاتم 1/ 51، والسنن الكبرى مع الجوهر النقي 1/ 351، ومختصر سنن أبي داود 1/ 188، ومعرفة السنن والآثار 1/ 377، ونصب الراية 1/ 199، والتلخيص الحبير 1/ 288، والفتح 1/ 508، ونيل الأوطار 1/ 284.