كتاب الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي (اسم الجزء: 3)

السَّابِعُ: قَالُوا: الْعِلَّةُ فِي الْقِيَاسِ طَرِيقٌ إِلَى إِثْبَاتِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ، فَإِذَا وُجِدَتِ الْعِلَّةُ فِي نَوْعَيْنِ امْتَنَعَ أَنْ تَكُونَ طَرِيقًا إِلَى الْعِلْمِ بِحُكْمِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ كَمَا فِي الْإِدْرَاكَاتِ وَالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ.
الثَّامِنُ: قَالُوا: لَوْ جَازَ وُجُودُ الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي فُرُوعٍ يَثْبُتُ الْحُكْمُ مَعَهَا فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ لَمْ يَكُنِ الْبَعْضُ بِالْإِثْبَاتِ أَوْلَى مِنَ الْبَعْضِ الْآخَرِ.
وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ دَلِيلِ الِانْتِقَاضِ فِي الصُّورَةِ الْأَخِيرَةِ مُعَارَضٌ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: (١) الْأَوَّلُ: إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَدَلِيلُهُ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: هَذَا حُكْمٌ مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ (٢) وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَصَارَ إِجْمَاعًا.
الثَّانِي: أَنَّ الْعِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ أَمَارَةٌ عَلَى الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ وَوُجُودُهَا فِي مَوْضِعٍ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ لَا يُخْرِجُهَا عَنْ كَوْنِهَا أَمَارَةٌ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ كَوْنِ الْأَمَارَةِ أَمَارَةً عَلَى شَيْءٍ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مُلَازِمًا لَهَا دَائِمًا، بِدَلِيلِ وُجُودِ جَمِيعِ الْأَمَارَاتِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى إِثْبَاتِ الْأَحْكَامِ وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْأَحْكَامُ مُلَازِمَةً لَهَا قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، وَبِدَلِيلِ الْغَيْمِ الرَّطْبِ فَإِنَّهُ أَمَارَةٌ عَلَى وُجُودِ الْمَطَرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَطَرُ مُلَازِمًا لَهُ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ وُقُوفَ مَرْكُوبِ الْقَاضِي عَلَى بَابِ الْمَلِكِ أَمَارَةٌ عَلَى كَوْنِهِ فِي دَارِ الْمَلِكِ، وَلَا يَخْرُجُ فِي ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ أَمَارَةً لِوُجُودِهِ (٣) فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، وَالْقَاضِي غَيْرُ مَوْجُودٍ
---------------
(١) الصُّورَةُ الْأَخِيرَةُ هِيَ مَا إِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ مُسْتَنْبَطَةً وَتَخَلَّفَ الْحُكْمُ عَنْهَا عَلَى غَيْرِ طَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَبِدُونِ مُعَارِضٍ لَهَا مِنْ وُجُودِ مَانِعٍ أَوْ فَقْدِ شَرْطٍ، وَقَدِ اخْتَارَ الْآمِدِيُّ بُطْلَانَ الْعِلَّةِ بِتَخَلُّفِ حُكْمِهَا عَنْهَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا تَقَدَّمَ فَعَارَضَهُ مَنْ يَقُولُ بِجَوَازِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ مُطْلَقًا بِأَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ ذَكَرَهَا الْآمِدِيُّ وَأَجَابَ عَنْهَا
(٢) هَذَا حُكْمٌ مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ، لَمْ أَجِدْ هَذِهِ الْكَلِمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَيْسَتْ مِمَّا يُشْبِهُ لُغَةَ عَهْدِ الصَّحَابَةِ لَكِنَّهَا شَبِيهَةٌ بِلُغَةِ عُلَمَاءِ الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ فِي نِقَاشِهِمْ وَجِدَالِهِمْ عِنْدَ الِاسْتِدْلَالِ وَاشْتِدَادِ الْخِلَافِ بَيْنَهُمْ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي ص ٥٠٤ وَمَا بَعْدَهَا مِنْ ج ٢٠ كَثِيرًا مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي ادَّعَى فِيهَا عُلَمَاءُ الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ أَنَّهَا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَبَيَّنَ أَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ قَاعِدَةِ الْقِيَاسِ فَارْجِعْ إِلَيْهِ
(٣) لِوُجُودِهِ - فِي الْعِبَارَةِ تَحْرِيفٌ وَالصَّوَابُ بِوُجُودِهِ، وَالْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ وَجُمْلَةُ " وَالْقَاضِي غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي دَارِ الْمَلِكِ " حَالِيَّةٌ

الصفحة 226