كتاب المستدرك للحاكم - دار المعرفة (اسم الجزء: 3)

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ ، وأَمَّنَّا مَنْ أَمَّنْتِ فَرَجَعْتُ إِلَيْهِمَا فَأَخْبَرْتُهُمَا فَانْصَرَفَا إِلَى مَنَازِلِهِمَا ، فَقِيلَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ جَالِسَانِ فِي نَادِيهِمَا مُتَنَضَّلَيْنِ فِي الْمُلاَ الْمُزَعْفَرَةِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لاَ سَبِيلَ إِلَيْهِمَا قَدْ أَمَّنَّاهُمَا قَالَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ : وَجَعَلْتُ اسْتَحْيِي أَنْ يَرَانِيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَذْكُرُ رُؤْيَتَهُ إِيَّايَ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، ثُمَّ أَذْكُرُ بِرَّهُ وَرَحْمَتَهُ ، فَأَلْقَاهُ وَهُوَ دَاخِلٌ الْمَسْجِدَ فَتَلَقَّانِي بِالْبِشْرِ وَوَقَفَ حَتَّى جِئْتُهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، وَشَهِدْتُ شَهَادَةَ الْحَقِّ ، فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ مَا كَانَ مِثْلُكَ يَجْهَلُ الإِسْلاَمَ قَالَ الْحَارِثُ : فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مِثْلَ الإِسْلاَمِ جُهِلَ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ : وَحَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ يُحَدِّثُ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَهُوَ يَقُولُ : وَاللَّهِ إِنَّكَ لَخَيْرُ الأَرْضِ وَأَحَبُّ الأَرْضِ إِلَى اللهِ وَلَوْلاَ أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ ، قَالَ : فَقُلْتُ : يَا لَيْتَنَا نَفْعَلُ فَارْجِعْ إِلَيْهَا ، فَإِنَّهَا مَنْبَتُكَ وَمَوْلِدُكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فَقُلْتُ : اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَخْرَجْتَنِي مِنْ أَحَبِّ أَرْضِكَ إِلَيَّ فَأَنْزِلْنِي أَحَبَّ الأَرْضِ إِلَيْكَ ، فَأَنْزَلَنِي الْمَدِينَةَ.قَالَ ابْنُ عُمَرَ : وَلَمْ يَزَلِ الْحَارِثُ مُقِيمًا بِمَكَّةَ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ حَتَّى تُوُفِيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا جَاءَ كِتَابُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَسْتَنْفِرُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى غَزْوِ الرُّومِ ، قَدِمَ ابْنُ هِشَامٍ ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ ، وَسُهَيْلُ بْنُ أَبِي عَمْرٍو عَلَى أَبِي بَكْرٍ الْمَدِينَةَ ، فَأَتَاهُمْ فِي مَنَازِلِهِمْ فَرَحَّبَ بِهِمْ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَسُرَّ بِمَكَانِهِمْ ، ثُمَّ خَرَجُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ غَزَاةً إِلَى الشَّامِ ، فَشَهِدَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ فِحْلاً وَأَجْنَادَيْنِ ، وَمَاتَ بِالشَّامِ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسٍ سَنَةَ ثَمَانَ عَشْرَةَ ، فَخَلَفَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، وَهِيَ أُمُّ عَبْدِ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَقُولُ : مَا رَأَيْتُ رَبِيبًا خَيْرَ مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ.
5211- أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ حَلِيمٍ الدِّهْقَانُ بِمَرْوَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو الْفَزَارِيُّ ، أَنَا عَبْدَانُ بْنُ عُثْمَانَ ، أَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، أَنَا الأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ ، عَنْ أَبِي نَوْفَلِ بْنِ أَبِي عَقْرَبَ قَالَ : خَرَجَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ مَكَّةَ فَجَزِعَ أَهْلُ مَكَّةَ جَزَعًا شَدِيدًا ، وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِلاَّ خَرَجَ يُشَيَّعُهُ ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِأَعْلَى الْبَطْحَاءِ أَوْ حَيْثُ شَاءَ مِنْ ذَلِكَ فَوَقَفَ وَوَقَفَ النَّاسُ حَوْلَهُ يَبْكُونَ ، فَلَمَّا رَأَى جَزَعَ النَّاسِ قَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَا خَرَجْتُ رَغْبَةً بِنَفْسِي عَنْ أَنْفُسِكُمْ ، وَلاَ اخْتِيَارَ بَلَدٍ عَلَى بَلَدِكُمْ ، وَلَكِنَّ هَذَا الأَمْرَ قَدْ كَانَ ، وَخَرَجَ فِيهِ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَاللَّهِ مَا كَانُوا مِنْ ذَوِي أَسْنَانِهَا وَلاَ مِنْ بُيُوتَاتِهَا ، فَأَصْبَحْتُ وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ جِبَالَ مَكَّةَ ذَهَبٌ فَأَنْفَقْنَاهَا فِي سَبِيلِ اللهِ مَا أَدْرَكْنَا يَوْمًا مِنْ أَيَّامِهِمْ ، وَايْمُ اللهِ ، لَئِنْ فَاتُونَا فِي الدُّنْيَا لَنَلْتَمِسَنَّ أَنْ نُشَارِكَهُمْ فِي الآخْرَى فَاتَّقَى اللَّهَ امْرُؤٌ خَرَجَ غَازِيًا فَخَرَجَ غَازِيًا إِلَى الشَّامِ فَأُصِيبَ شَهِيدًا.

الصفحة 278