كتاب المستدرك للحاكم - دار المعرفة (اسم الجزء: 3)

قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لاَ يُشْهِرَنَّ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ السَّيْفَ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنْ حُفَرِ النَّارِ.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : سَمِعْتُهُ مِنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَحِرْصُهُ عَلَى الْعِلْمِ يَبْعَثُهُ عَلَى سَمَاعِ خَبَرٍ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ لِدَفْعِ أَخْبَارِهِ مَنْ قَدْ أَعْمَى اللَّهُ قُلُوبَهُمْ فَلاَ يَفْهَمُونَ مَعَانِيَ الأَخْبَارِ.
إِمَّا مُعَطِّلٌ جَهْمِيٌّ يَسْمَعُ أَخْبَارَهُ الَّتِي يَرَوْنَهَا خِلاَفَ مَذْهَبِهِمُ الَّذِي هُوَ كَفْرٌ ، فَيَشْتُمونَ أَبَا هُرَيْرَةَ ، وَيَرْمُونَهُ بِمَا اللَّهُ تَعَالَى قَدْ نَزَّهَهُ عَنْهُ تَمْوِيهًا عَلَى الرِّعَاءِ وَالسَّفِلِ ، أَنَّ أَخْبَارَهُ لاَ تَثْبُتُ بِهَا الْحُجَّةُ.
وَإِمَّا خَارِجِيٌّ يَرَى السَّيْفَ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلاَ يَرَى طَاعَةَ خَلِيفَةٍ ، وَلاَ إِمَامٍ إِذَا سَمِعَ أَخْبَارَ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِلاَفَ مَذْهَبِهِمُ الَّذِي هُوَ ضَلاَلٌ ، لَمْ يَجِدْ حِيلَةً فِي دَفْعِ أَخْبَارِهِ بِحُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ كَانَ مَفْزَعُهُ الْوَقِيعَةَ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ.
أَوْ قَدَرِيٌّ اعْتَزَلَ الإِسْلاَمَ وَأَهْلَهُ وَكَفَّرَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الأَقْدَارَ الْمَاضِيَةَ الَّتِي قَدَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى ، وَقَضَاهَا قَبْلَ كَسْبِ الْعِبَادِ لَهَا إِذَا نَظَرَ إِلَى أَخْبَارِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّتِي قَدْ رَوَاهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِثْبَاتِ الْقَدَرِ لَمْ يَجِدْ بِحُجَّةٍ يُرِيدُ صِحَّةَ مَقَالَتِهِ الَّتِي هِيَ كُفْرٌ وَشِرْكٌ ، كَانَتْ حُجَّتُهُ عِنْدَ نَفْسِهِ أَنَّ أَخْبَارَ أَبِي هُرَيْرَةَ لاَ يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهَا.
أَوْ جَاهِلٌ يَتَعَاطَى الْفِقْهَ وَيَطْلُبُهُ مِنْ غَيْرِ مَظَانِّهِ إِذَا سَمِعَ أَخْبَارَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَا يُخَالِفُ مَذْهَبَ مَنْ قَدِ اجْتَبَى مَذْهَبَهُ ، وَأَخْبَارَهُ تَقْلِيدًا بِلاَ حُجَّةٍ وَلاَ بُرْهَانٍ كَلَّمَ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَدَفَعَ أَخْبَارَهُ الَّتِي تُخَالِفُ مَذْهَبَهُ ، وَيَحْتَجُّ بِأَخْبَارِهِ عَلَى مُخَالَفَتِهِ إِذَا كَانَتْ أَخْبَارُهُ مُوَافِقَةً لِمَذْهَبِهِ ، وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ هَذِهِ الْفَرَقِ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْبَارًا لَمْ يَفْهَمُوا مَعْنَاهَا أَنَا ذَاكِرٌ بَعْضُهَا بِمَشِيئَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
ذَكَرَ الإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : فِي هَذَا الْمَوْضِعِ حَدِيثَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرِي لَهُ ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ ، وَمَنْ كَانَ مُصَلِّيًا بَعْدَ الْجُمُعَةِ ، وَمَا يُعَارِضُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَبِالْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ ذَكَرَهَا ، وَالْكَلاَمُ عَلَيْهَا يَطُولُ.
قَالَ الْحَاكِمُ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَأَنَا ذَاكِرٌ بِمَشِيئَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذَا رِوَايَةَ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَدْ رَوَى عَنْهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَأَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ، وَعَائِشَةُ ، وَالْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ ، وَعُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ ، وَأَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، وَالسَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ ، وَأَبُو رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ ، وَأَبُو الطُّفَيْلِ ، وَأَبُو نَضْرَةَ الْغِفَارِيُّ ، وَأَبُو رُهْمٍ الْغِفَارِيُّ ، وَشَدَّادُ بْنُ الْهَادِ ، وَأَبُو حَدْرَدٍعَبْدُ اللهِ بْنُ حَدْرَدٍ الأَسْلَمِيُّ ، وَأَبُو رَزِينٍ الْعُقَيْلِيُّ ، وَوَاثِلَةُ بْنُ الأَسْقَعِ ، وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَمِقِ ، وَالْحَجَّاجُ الأَسْلَمِيُّ ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُكَيْمٍ ، وَالأَغَرُّ الْجُهَنِيُّ ، وَالشَّرِيدُ بْنُ سُوَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ ، فَقَدْ بَلَغَ عَدَدُ مَنْ رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنَ الصَّحَابَةِ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ رَجُلاً ، فَأَمَّا التَّابِعُونَ فَلَيْسَ فِيهِمْ أَجَلُّ وَلاَ أَشْهُرُ وَأَشْرَفُ وَأَعْلَمُ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَذِكْرُهُمْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يَطُولُ لِكَثْرَتِهِمْ وَاللَّهُ يَعْصِمُنَا مِنْ مُخَالَفَةِ رَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَالصَّحَابَةِ الْمُنْتَخَبِينَ وَأَئِمَّةِ الدِّينِ مِنَ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ فِي أَمْرِ الْحَافِظِ عَلَيْنَا شَرَائِعَ الدِّينِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

الصفحة 513