قال الشافعي - رضي الله عنه -: والمخاطب بذلك الذين كانوا في عصره كان أقرؤهم أفقههم فإنهم يسلمون كبارًا ويتفقهون قبل أن يقرؤوا (¬1) فلا يوجد قارئ منهم إلا وهو فقيه، وكان يوجد الفقيه وهو ليس بقارئ فإنه قيل: لم يحفظ القرآن من الصحابة إلا خمسة [أو قريب منها، والخمسة] (¬2): أبو بكر، وعثمان، وعلي، وأبي بن كعب، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، قيل: وعبد الله بن عباس، فلذلك ذكر الأقرأ وأمر بتقديمه، ولم يذكر الأفقه وهو مما تقدم به؛ لأنهم كلهم كانوا ذوي أنساب، ويشهد لقول الشافعي: إن أَقرؤُهم حينئذٍ أفقههم قول ابن مسعود: كنا لا نجاوز عشر آيات حتى نعرف أمرها ونهيها وأحكامها (¬3)، وقول ابن عمر: ما كانت السورة تنزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا ونتعلم أمرها ونهيها.
فإن قلت: قول الشافعي: إن أقرأهم كان أفقههم أعامٌّ في كل أحد من القراء أو (¬4) هو الأغلب؟ فالذي أشار إليه (¬5) الإمام الثاني؛ لأجل أن (¬6) عمر - رضي الله عنه - لم يُعَدَّ ممن يحفظ القرآن؛ لأنه كان يعسر عليه الحفظ، وهو مفضل على عثمان وعلى عَلِيٍّ مع حفظهم القرآن.
¬__________
(¬1) "مختصر المزني" الملحق بكتاب "الأم" 9/ 28.
(¬2) من (م).
(¬3) أخرجه أبو عمرو الداني في "البيان" (ص 33) بنحوه عن عثمان وابن مسعود، وأبي بن كعب - رضي الله عنهم -.
(¬4) في (س، م): و.
(¬5) من (م).
(¬6) من (م).