كتاب أبحاث هيئة كبار العلماء (اسم الجزء: 3)

وسيساعد على سهولة الاختيار الاقتصار على تركيز المحاكم في المدن، كما أشرنا إليه سابقا.
4 - تأليف لجنة من العلماء؛ لبحث المسائل القضائية الهامة التي ربما يشتبه الحكم فيها على بعض القضاة، فتبين بالأدلة وجه الحكم فيها، وتوضح تطبيقها بأمثلة، خاصة القضايا التي حدثت في عصرنا، وليس هذا لإلزام القضاة بما انتهى إليه البحث، بل ليكون عونا لهم في القيام بمهمتهم، ونموذجا لهم في دراسة القضايا وحل مشكلها، والدقة في تطبيق الأحكام فيها، فبذلك تضيق شقة الخلاف، وتتحقق المصلحة المرجوة.
أما ارتفاع أصل الخلاف فلا سبيل إليه، ولو توحد المرجع العلمي للقضاة باختيار قول واحد وألزم القضاة الحكم به؛ لما تقدم بيانه.
ومع ذلك فإن الحكومة - وفقها الله - قد بذلت مجهودا تشكر عليه، فجعلت محاكم تمييز تدرس الأحكام الصادرة من المحاكم، وتوجه القضاة فيما تراهم قد قصروا فيه، وجعلت وراء ذلك هيئة قضائية عليا تدقق الأحكام التي يحصل حولها اختلاف بين القضاة وهيئات التمييز - كل ذلك حرصا من ولي الأمر - وفقه الله - على براءة الذمة، وإراحة الناس، وإيصال الحقوق إلى أصحابها.
5 - إن الاختلاف في الأحكام قد وجد في عهد الخلفاء الراشدين والسلف الصالح، حتى من القاضي الواحد في قضيتين متماثلتين ظهر له في الثانية ما لم يظهر له في الأولى، فحكم به، ولم ينقض حكمه السابق، ولم يكن ذلك داعيا إلى التفكير في مثل التدوين المقترح، ولا إلزام
فقال: «لا، إنما هو مناخ لمن سبق إليه (¬1) » .
قال الشيخ أحمد البنا: جاء في رواية ابن ماجه: (بيتا) ، وفي رواية الترمذي: (بناء) ، وفي رواية أبي داود: (بيتا أو بناء) ، كما هنا. أي: لا تبنوا لي بناء بمنى، لأنه ليس مختصا بأحد دون آخر من الناس، إنما هو موضع العبادة من الرمي والذبح والحلق ونحوها يشترك فيه الناس، فلو بني فيها لأدى إلى كثرة الأبنية؛ تأسيا به صلى الله عليه وسلم، فتضيق على الناس، وكذلك حكم الشوارع ومواضع الأسواق.
وعند الإمام أبي حنيفة: أرض الحرم موقوفة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة قهرا، وجعل أرض الحرم موقوفة، فلا يجوز أن يتملكها أحد. كذا في [المرقاة] . اهـ.
وروى أبو داود بسنده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، ألا نبني لك بمنى بيتا، أو بناء يظلك من الشمس؟ «فقال: "لا، إنما هو مناخ من سبق إليه " (¬2) » .
وقال أبو الطيب شمس الحق في شرحه لهذا الحديث: (ألا نبني) من البناء، أي: نحن معاشر الصحابة، "مناخ" بضم الميم، موضع الإناخة، «"من سبق إليه (¬3) » ، والمعنى: أن الاختصاص فيه بالسبق لا بالبناء.
وقال الطيبي: معناه: أتأذن أن نبني لك بيتا في منى؛ لتسكن فيه؟ فمنع وعلل: بأن منى موضع لأداء النسك من النحر ورمي الجمار والحلق، يشترك فيه الناس، فلو بني فيها لأدى إلى كثرة الأبنية؛ تأسيا به، فتضيق
¬__________
(¬1) [الفتح الرباني] (13\ 220- 223) الطبعة الأولى
(¬2) سنن أبو داود المناسك (2019) ، مسند أحمد بن حنبل (6/187) .
(¬3) سنن أبو داود المناسك (2019) ، مسند أحمد بن حنبل (6/187) .

الصفحة 338