كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 3)

فنزَل رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقُمتُ إلى غِرارَةِ (¬١) لنا، فالتَمَسْتُ فيها فوجَدتُ جِرْوَ قِثّاءٍ (¬٢)، فكسَرتُه، ثم قرَّبْتُه إلى رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: "مِن أين لكم هذا؟ ". فقلتُ: خرَجنا به يا رسولَ الله مِن المدينةِ. قال جابرٌ: وعندَنا صاحبٌ لنا نُجَهِّزُه يذهبُ يَرْعَى ظَهْرَنا. قال: فجَهَّزْتُه، ثم أدْبَرَ يَذهبُ في الظَّهْرِ، وعليه بُرْدانِ له قد خَلَقا. قال: فنظَر رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: "أمَا له ثوبان غيرُ هذين؟ ". فقلتُ: بلى يا رسولَ الله، ثوبانِ في العَيْبَةِ (¬٣) كَسَوتُه إيَّاهما. قال: "فادْعُه فمُرْه فلْيَلْبَسْهما". قال: فدعَوتُه فلَبِسَهما ثم ولَّى يذهَبُ. قال: فقال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ما له؟ ضرَب اللهُ عُنقَه، أليس هذا خيرًا؟ ". قال: فسمِعه الرجلُ، فقال: يا رسولَ الله، في سبيلِ الله؟ فقال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "في سبيلِ الله". فقُتِل الرجلُ في سبيل الله.
هكذا هذا الحديثُ في "الموطَّأ"، لَمْ يَختلِفْ فيه الرُّواةُ (¬٤)، وقد حدَّث أبو نُعيم الحَلَبِيُّ عُبيدُ بن هشام، عن ابن المباركِ، عن مالكٍ بحديثٍ هو عندَهم خطأٌ إنْ أرادَ حديثَ زيدِ بن أسلمَ هذا.
حَدَّثَنَا خلفُ بن قاسم، قال: حَدَّثَنَا أبو الحُسينِ عليُّ بن الحسينِ بن بُندَار، قال: حَدَّثَنَا أبو عثمانَ سعيدُ بن عبدِ العزيز، قال: حَدَّثَنَا أبو نُعيم الحَلَبِيُّ، قال: حَدَّثَنَا ابن المباركِ، عن مالكٍ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن أَنَسٍ، أنّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
---------------
(¬١) الغرارة: الجُوالق، واحدة الغرائر، وهي أكسية تُجعل كالظروف لِمَا يُحمل فيها.
(¬٢) جرير قثاء: صغار القثاء، قال عياض: وقيل: الطويل منها. وقيل: هو الواحد منها، ويدلُّ عليه قوله في الحديث: "فكسرته" وهذا يدلُّ على كبره. "المشارق" ١/ ١٤٥.
(¬٣) العيبة: وعاء يحفظ فيه الإنسان ثيابه.
(¬٤) أخرجه عن مالك: أبو مصعب الزهري (١٨٩٩) ومن طريقه ابن حبان (٥٤١٨)، وروح بن عُبادة عند البزار كما في كشف الأستار (٢٩٦٣)، وسويد بن سعيد (٦٨٥) و (٦٨٦)، وعبد الله بن مسلمة القعنبي عند الجوهري (٣٣٩)، وعبد الله بن وهب عند الحاكم ٤/ ١٨٣، وعبد الرَّحمن بن القاسم (١٦٦).

الصفحة 14

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text