كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 3)
حديثٌ رابعٌ لزيد بن أَسْلَم مسند يجري مجرى المتَّصلمالك (¬١)، عن زيدِ بن أسلمَ، عن أبيه، أنّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يَسِيرُ في بعضِ أَسفارِه، وعمرُ بن الخطَّابِ يسيرُ معه ليلًا، فسَأَلَه عمرُ عن شيءٍ فلم يُجبْه، ثم سألَه فلم يُجبْه، ثم سألَه فلم يُجِبْه، فقال عمرُ: ثَكِلتْكَ أُمُّك يا عمرُ (¬٢)، نَزَرْتَ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثلاثَ مرَّاتٍ، كلُّ ذلك لا يُجِيبُك. قال عمرُ: فحرَّكْتُ بعيرِي، حتى إذا كنتُ أمامَ الناسِ، وخَشِيتُ أنْ يَنزِلَ فيَّ قرآنٌ، فما نَشِبْتُ (¬٣) أنْ سمِعْتُ صارخًا يَصرُخُ بي. قال: فقلتُ: لقد خَشِيتُ أنْ يكونَ نزَل فيَّ قُرآنٌ. قال: فَجئتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فسَلَّمْتُ عليه، فقال: "أُنزِلَ عليَّ (¬٤) هذهِ اللَّيلةَ سورَةٌ، لهي أحبُّ إليَّ ممّا طَلَعَتْ عليه الشمسُ". ثم قَرَأَ: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح: ١].
هذا الحديثُ عندَنا على الاتِّصالِ؛ لأنّ أسلمَ رَواه عن عمرَ، وسماع أسلمَ من مَولاه عمرَ رضِيَ اللهُ عنه صحيحٌ لا ريبَ فيه، وقد رواه محمدُ بن حربٍ (¬٥)، عن مالكٍ كما ذكَرنا.
أخبَرنا خلفُ بن القاسم وعليُّ بن إبراهيمَ، قالا: حَدَّثَنَا الحسنُ بن رَشيقٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن رُزَيقٍ (¬٦) بن جامع. وحَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمن بن مروانَ، قال:
---------------
(¬١) الموطأ ١/ ٢٨٠ (٥٤٤)، ومن طريقه أخرجه البخاري (٤١٧٧) و (٤٨٣٣) و (٥٠١٢).
(¬٢) قوله: "يا عمر" من ق، ولم يرد في ك ٢. وفي الموطأ: "عمر" من غير "يا"، ويا في بعض نسخ الموطأ دون بعض.
(¬٣) أي: فما لبثتُ، قال ابن الأثير: وحقيقتُه: لَمْ يتعلَّق بشيءٍ غيره، ولا اشتغل بسواه (النهاية ٥/ ٥٢).
(¬٤) في المطبوع من الموطأ: لقد أنزلت عليَّ.
(¬٥) وروايته هذه ذكرها الدارقطني في العلل ٢/ ١٤٦ (١٧١) في سياق تعداده لمن رواه عن مالك متَّصلًا ومسندًا، وذكر منهم محمد بن حرب بن سُليم المكيّ.
(¬٦) هو بتقديم الراء، وينظر: تاريخ الإسلام ٦/ ١٠٢٧.