كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 3)
وفي هذا دليلٌ على مدح البيانِ، وفَضْلِ البلاغةِ، والتَّعَجُّبِ بما يُسْمَعُ من فصاحةِ أهْلِها (¬١). وفيه المجَازُ والاستعارةُ الحسنةُ؛ لأن البيانَ ليس بسِحْرٍ على الحقيقة.وفيه الإفراطُ في المدحِ؛ لأنَّه لا شيءَ في الإعْجابِ والأخْذِ بالقُلوبِ يبلُغُ مَبْلَغَ السِّحْرِ. وأصلُ لفظَةِ السِّحْرِ عندَ العربِ: الاسْتِمالَةُ، وكلُّ مَنِ اسْتَمالك فقد سحَرك. وقد ذهَب هذا القولُ منه -صلى الله عليه وسلم- مثلًا سائرًا في الناسِ (¬٢) إذا سمِعُوا كلامًا يُعْجِبُهم قالوا: إن من البيانِ لَسِحْرًا. ويقولون في مثلِ هذا أيضًا (¬٣): هذا السحرُ الحلالُ. ورُوِي أن سائلًا سأل عمرَ بنَ عبدِ العَزِيزِ حاجةً بكلام أعْجَبه، فقال عمرُ: هذا واللّه السِّحرُ الحلال (¬٤). ومن هاهنا أخذ ابنُ الرُّوميِّ، فيما أحسَبُ (¬٥) هذا المعنى، فأحْسَنَ (¬٦):
---------------
(¬١) في ق، ج: "فعلى هذا المذهب في هذا الحديث فضل البلاغة واللسانة"، والمثبت من د ١.
(¬٢) هكذا ق، ج، وفي د ١: "سير المثل في الناس".
(¬٣) في د ١: "وربما قالوا في ذلك"، والمثبت من ق، ج.
(¬٤) ذكره البغوي في شرح السّنة ١٢/ ٦٥.
(¬٥) في ج، م: "وقال ابن الرومي عفا الله عنه في" والمثبت من د ١.
(¬٦) ديوانه ٣/ ١١٦٤، وفيه البيت الثالث بلفظ:
شَرَكُ النُّفوس وفتنةٌ ما مِثلُها ... للمطمئنِّ وعُقْلة المُستَوفِزِ
وكذا وقع لفظه في الخصائص لابن جنِّي ١/ ٣١، وفي الأمالي لأبي عليّ القالي ١/ ٨٤، وفي جمهرة الأمثال للعسكري ١/ ١٥.
وقوله: "شَرَكُ العُقول" الشَّرَك: حبائل الصيد، والمعنى أن حديثها يصيد العقول قَنْصًا من شدَّة ميل النفوس إليه.
وقوله: "وعُقْلَة المُستَوفِزِ" العُقْلة: الحَبْسُ والإمساك، والمُستَوفِز: المُستَعجل.
وقال ابن أبي الإصبع العدواني في تحرير التحبير، ص ٥٤١ في شرحه لهذه الأبيات: وليس للمختار حالةٌ زائدة على هاتين الحالتين: إمّا أن يكون مطمئنًّا، أو مُستَوفِزًا، فإن كان مطمئنًّا كان هذا الحديث نزهته، وإن كان مستوفِزًا كان عُقلتَه. فلم يُبْقِ في هذا المعنى مقالًا لمَن بعده.