كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 3)

أثرٍ؛ لأنَّ مَن كرِه الصلاةَ في المقبرةِ، كَرِهها في كلِّ مقبرةٍ على ظاهرِ الحديثِ وعُمومِه، ومَن أباحَ الصلاةَ فيها، دَفَع ذلك بما ذكَرْنا مِن التأويلِ والاعتلالِ. وقد بنَى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- مسجدَه في مقبرة المشركين.
حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسدٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ بنِ السَّكنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ البُخاريُّ (¬١). وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (¬٢)، قالا جميعًا: حدَّثنا مسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارِثِ، عن أبي التَّيَّاحِ، عن أنسِ بنِ مالكٍ -المعنَى واحدٌ، واللفظُ مُتقاربٌ- قال: قدِم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- المدينةَ، فنزَل أعلَى المدينةِ، في حيٍّ يُقالُ لهم: بنو عمرِو بنِ عوفٍ، فأقام فيها أربعَ عشْرةَ ليلةً، ئم أرسل إلى بني النَّجَّارِ، فجاؤوا مُتقلِّدينَ بسُيوفِهم (¬٣). قال أنسٌ: فكأنِّي أنظُرُ إلى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- على راحِلتِه، وأبو بكرٍ رِدفَه، ومَلأُ بني النجَّارِ حولَه، حتى ألقَى بفِناء أبي أيُّوبَ (¬٤)، وكان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يُصلِّي حيثُ أدرَكَته الصلاةُ، ويُصلِّي في مَرابضِ الغنمِ، وأنَّه أمَر ببناء المسجدِ، فأرسَل إلى بني النَّجَّارِ، فقال: "يا بني النجَّارِ، ثامِنُوني (¬٥) بحائطِكم هذا". فقالوا: والله لا نطلُبُ ثمنَه إلَّا إلى الله عزَّ وجلَّ. قال أنسٌ: فكان فيه ما أقولُ لكم؛ كانت فيه قبورُ المشركين، وخِرَبٌ، ونخلٌ، فأمَرَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بقبورِ المُشرِكينَ فنُبشَتْ، وبالنخلِ فقُطِع، وبالخِرَبِ فسُوِّيت، فصَفُّوا النَّخلَ قِبلَةَ المَسجِدِ، وجعَلوا
---------------
(¬١) في صحيحه (٤٢٨).
(¬٢) في سننه (٤٥٣). وهو عند البغوي في شرح السّنة من طريق محمد بن يوسف الفِرَبري، به.
(¬٣) في ق: "متقلدي سيوفهم".
(¬٤) معنى ألْقى هنا: نزل، أو ألْقى رَحْلَه، وفناءُ الدار: ما امتدَّ من جوانبها؛ قاله العيني في عمدة القارى ١٧/ ٦٥.
(¬٥) قوله: "ثامِنُوني" أي: عَيِّنُوا لي ثمنَه، أو: ساوِمُوني بثمنه، المصدر السابق ١٧/ ٦٥.

الصفحة 634

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text