كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 3)

{اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر: ٤٢]. فرُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، وسعيدِ بنِ جُبيرٍ، في هذه الآيةِ، أنَّهما قالا: تُقبَضُ أرواحُ الأمواتِ إذا ماتوا، وأرواحُ الأحياءِ إذا ناموا، تتعارفُ ما شاء اللهُ أنْ تتعارفَ، {فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ}: التي قد ماتت، {وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}. ذَكَره بَقِيُّ بنُ مَخْلَدٍ، عن يحيى بنِ عبدِ الحميدِ الحِمَّانيِّ، عن يعقوبَ القُمِّيِّ، عن جعفرِ بن أبي المُغيرةِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ (¬١).
وذكَره أيضًا عن يحيى بنِ رجاءٍ، عن موسى بنِ أعيَنَ، عن مُطرِّفٍ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ (¬٢). ومعنى حديثِهما واحدٌ. وهذا يدُلُّ على أنَّ النفسَ والروحَ شيءٌ واحدٌ؛ لأنَّهم فسَّروا الآيةَ وقد جاءَتْ بلفظِ {يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ} - {وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} - فقالوا: يَقبِضُ الأرواحَ. كما رأيتَ، وذلك واضحٌ في أنَّ النفسَ والرُّوحَ سواءٌ.
ويشهَدُ بصحَّةِ ذلك قولُ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديثِ: "إنَّ اللهَ قبَض أرواحَنا". ولم يُنكِرْ على بلالٍ قولَه: أخَذ بنَفْسي الذي أخَذ بنَفْسِك، فالقرآنُ والسُّنةُ يُشيرانِ إلى معنًى واحدٍ، بلفظِ النفسِ مرَّةً، وبلفظِ الرُّوح أُخرى.
وقال آخرونَ: النفسُ غيرُ الرُّوح. واحتجُّوا بأنَّ النفسَ مخاطَبةٌ منهية مأمورةٌ، واستدلُّوا بقولِ الله عزَّ وجلَّ: {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} [الفجر: ٢٧ - ٢٨]. وقولِه: {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ
---------------
(¬١) وأخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره ٢١/ ٢٩٨، وأبو محمد عبد الله بن حيّان المعروف بأبي الشيخ في العظمة ٣/ ٨٨٤ من طريق يعقوب القُمّي، به. ورجال إسناده ثقات.
(¬٢) أخرجه الطبراني في الأوسط ١/ ٤٥ (١٢٢)، ومن طريقه الضياء في الأحاديث المختارة ١٠/ ١٢٣. وأخرجه أبو الشيخ في العظمة ٣/ ٩٠٦ من طريق مطرِّف بن طَريفٍ الحارثي، به وأورده الهيثمي في المجمع ٧/ ١٠٠ وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح.

الصفحة 643

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text