كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 3)
واخْتَلَف الفقهاءُ أيضًا في المرْتَدُّةِ؛ فقال مالكٌ، والأوْزاعيُّ، وعثمانُ البتِّيُّ، والشافعيُّ، والليثُ بنُ سعدٍ: تُقْتَلُ المرْتَدَّةُ كما يُقْتَلُ المرْتَدُّ سَواءٌ (¬١). وهو قولُ إبراهيمَ النَّخَعِيِّ (¬٢). وحُجَّتُهم ظاهِرُ هذا الحديثِ؛ لأنَّه لَمْ يَخُصَّ ذكرًا مِن أُنْثَي، و"مَن" تَصْلُحُ للواحِدِ والاثْنَيْن والجمعِ، والذَّكَرِ والأُنْثَي، وقال: "لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئ مسلم إلَّا بإحْدَى ثَلاثٍ؛ كُفْرٍ بعدَ إيمانٍ" (¬٣) فعَمَّ كلَّ مَن كَفَر بعدَ إيمانِه.وقال الثوريُّ وأبو حنيفةَ وأصحابُه: لا تُقْتَلُ المرْتَدَّةُ. وهو قولُ ابنِ شُبْرُمَةً، وإليه ذهَبَ ابنُ عُلَيَّةَ. وقال ابنُ شُبْرُمَةَ: إن تَنَصَّرَتِ المسلمةُ فتَزَوَّجَها نصرانيٌّ، جاز (¬٤).
وحُجَّةُ مَن قال: لا تُقْتَلُ المرْتَدَّةُ: أنَّ ابنَ عباسٍ روَى هذا الحديث وقال: لا تُقْتَلُ المرْتَدَّةُ. ومَن روَى حديثًا كان أعْلَمَ بتَأْوِيلِه. وقولُ ابنِ عباسٍ في ذلك رواه الثوريُّ، وأبو حنيفةَ، عن عاصِم، عن أبي رَزِينٍ، عن ابنِ عباسٍ (¬٥). وروَى قتادةُ،
---------------
(¬١) نقل جملة هذه الأقوال عنهم ابن المنذر في الأوسط ١٣/ ٤٦٥.
(¬٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ١٥/ ١٧٦ (١٨٧٢٦)، وابن أبي شيبة في المصنَّف (٢٩٦٠٧) و (٢٩٦٠٨)، والبيهقي في الكبرى ٨/ ٢٠٣ (١٧٣٢١) من طرقٍ عن أبي معشر زياد بن كليب الكوفي عن إبراهيم النخعيّ قال: تُستَتاب، فإن تابت وإلّا قُتلت.
(¬٣) سيأتي تخريجه بعد قليل.
(¬٤) ينظر: السِّير الصغير لمحمد بن الحسن الشيباني ص ٢٠٤ فيما نقله عن أبي حنيفة، ومختصر اختلاف العلماء للطحاوي ٣/ ٤٧١ فيما نقله عن الثوريِّ وأبي يوسف وقوله: تُقتل؛ ثم رجع، ثم قال: لا تُقتل، وهو قول ابن شُبْرمة.
(¬٥) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنّف (٢٩٥٩٩) من طريق وكيع عن أبي حنيفة عن عاصم، به، والدارقطني في السنن ٤/ ٢٧٥ (٣٤٥٧) و ٤/ ٢٧٦ (٣٤٥٩) الأول من طريق عبد الرزاق عن سفيان عن أبي حنيفة، به عن ابن عباس في المرأة ترتد قال: "تُحبس ولا تُقتل" والثاني من طريق أبي عاصم الضحاك بن مخلد عن سفيان، وقال مرّة عن أبي حنيفة، به. وقال أبو عاصم: نرى أن سفيان الثوري إنما دلَّسه عن أبي حنيفة فكتبتُهما جميعًا.
وهو عند عبد الرزاق في المصنّف ١٠/ ١٧٧ (١٨٧٣١) عن الثوري عن عاصم، به.