كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 3)
وقد رُويَ عن مالكٍ أنّه قال: ليس في صلاةِ كسوفِ القمرِ سُنَّةٌ، ولا صلاةَ فيها إلّا لمن شاء (¬١). وهذا شيءٌ لم يَقُلْه أحدٌ من العلماءِ غيرُه، واللهُ أعلمُ، وسائرُ العلماءِ يرَون صلاةَ كسوفِ القمرِ سُنّةً، كلٌّ على مذهبِه.واختلَفوا أيضًا في الخطبةِ بعدَ صلاةِ الكسوفِ؛ فقال الشافعِيُّ ومن اتَّبعَه (¬٢)، وهو قولُ إسحاقَ والطبريِّ: يَخطُبُ بعدَ الصلاةِ في الكسوفِ، كالعيدينِ والاستسقاءِ.
واحتجَّ الشافعيُّ بحديثِ هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، في حديثِ الكسوفِ، وفيه: ثم انصرَف وقد تجلَّتِ الشمسُ، فخطَب الناسَ، فحمِد اللهَ وأثنَى عليه، ثم قال: "إنّ الشَّمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ الله" الحديثَ. وبه احتجَّ كلُّ من رأى الخطبةَ في الكسوفِ.
وقال مالكٌ وأبو حنيفةَ وأصحابُهما: لا خُطبةَ في الكسوفِ (¬٣). واحتجَّ بعضُهم في ذلك بأنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - إنّما خطَب الناسَ لأنّهم قالوا: إنّ الشمسَ كَسَفتْ لموتِ إبراهيمَ ابن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. فلذلك خطَبهم يُعرِّفُهم أنّ الشمسَ والقمرَ لا يَنكسِفان لموتِ أحدٍ ولا لحياته (¬٤).
---------------
(¬١) نقله عنه ابن القاسم في المدوَّنة ١/ ٢٤٣، وينظر: التاج والإكليل لمختصر خليل لمحمد بن يوسف العبدري، ومواهب الجليل في شرح مختصر خليل لمحمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المعروف بالحطاب الرُّعيني ٢/ ٢٠٠. وقال ابن المنذر في الأوسط ٥/ ١٣٠٧: وهذه غفلة منه لأنه مِمَّن روى حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - صلى بالناس صلاة الخسوف ثم خطب.
(¬٢) الأم للشافعي ١/ ٢٨٠، وينظر: المجموع شرح المهذب للنووي ٥/ ٥٢.
(¬٣) ينظر: مختصر اختلاف العلماء للطحاوي ١/ ٣٨٢، والأوسط لابن المنذر ٥/ ٣٠٧، وبدائع الصنائع للكاساني الحنفي ١/ ٢٨٠.
(¬٤) ينظر: مختصر اختلاف العلماء للطحاوي ١/ ٣٨١، والأوسط لابن المنذر ٥/ ٣٠٧، وبداية المجتهد لابن رشد ١/ ٢٢٣.