كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 3)
روى حمَّادُ بن سلمةَ، عن قتادةَ، عن عبدِ الله بن الحارثِ (¬١) قال: زُلزلَتِ الأرضُ بالبصرةِ، فقال ابن عباس: والله ما أدري؛ أزُلزلَتِ الأرضُ أمْ بي أَرْضٌ؟ فقام بالناسِ فصلَّى. يعني مِثلَ صلاةِ الكسوفِ (¬٢).وأمّا قولُه في الحديثِ: رأيناك تَكَعْكعْتَ. فمعناه عندَ أهلِ اللُّغةِ: أخنسْتَ وتأخَّرْتَ. وقال الفقهاءُ: معناه: تَقهقرْتَ. والأمرُ كلُّه قريبٌ.
وقال مُتمِّمُ بن نُويْرةَ (¬٣):
ولكنَّنِي أمضِي على ذاك مُقْدِمًا ... إذا بعضُ من لاقَى الخطوبَ تكَعْكَعا
وأمّا قولُه عليه الصلاةُ والسلامُ: "إنِّي رأيتُ الجنةَ - ورأيْتُ النارَ"، فإنّ الآثارَ في رُؤيتِه لهما - صلى الله عليه وسلم - كثيرةٌ، وقد رآهُما مرارًا، واللهُ أعلمُ، على ما جاءَتْ به الأحاديثُ، وعندَ الله علمُ كيفيةِ رُؤيته لهما - صلى الله عليه وسلم -، فمُمْكِنٌ أن يُمثَّلا له فيَنظُرَ إليهما بعَينَيْ وجهِه، كما مُثِّلَ له بيْتُ المقدسِ حينَ كذَّبه الكفَّارُ بالإسراءِ، فنظَر إليه، وجعَل يُخبرُهم عنه (¬٤)، وممكنٌ أنْ يكونَ ذلك برؤيةِ القَلْب، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)} [الأنعام: ٧٥]. واختلَف أهلُ التَّفسيرِ في ذلك؛ فقال مجاهدٌ: فُرِجَتْ له السَّماواتُ فنظَر إلى ما فيهنَّ
---------------
(¬١) عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم القرشي، الملقب ببَّة.
(¬٢) إسناده صحيح، أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٣/ ١٠١ (٤٩٢٩) عن معمر عن قتادة وعاصم الأحول، به، وابن المنذر في الأوسط ٥/ ٣١٤ (٢٩١٧)، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٤٧٨ كلاهما من طريق عبد الرزاق، به. وكلهم بلفظ: أنه صلّى في الزلزلة بالبصرة، فأطال القنوت.
وذكروا صفة صلاته ودون قوله: والله ما أدري ... إلى آخره.
وقوله: "أَمْ بي أَرْضٌ" أي: رِعْدة. وقال الجوهري في الصحاح مادة (أرض): والأَرْضُ: النَّفْضةُ والرّعْدة.
(¬٣) ديوانه ١٤، وإليه عزاه الأزهري في تهذيب اللغة ١/ ٥٥.
(¬٤) كما وقع في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وفيه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فجَلّى الله لي بيت المقدس، فطفِقتُ أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه" أخرجه البخاري (٣٨٨٦)، ومسلم (١٧٠).