كتاب تفسير السمعاني (اسم الجزء: 3)
{وَرَائه جَهَنَّم ويسقى من مَاء صديد (16) يتجرعه وَلَا يكَاد يسيغه ويأتيه الْمَوْت من}
وَقَوله: {وخاب كل جَبَّار عنيد} وخاب أَي: خسر، وَقيل: وَهلك كل جَبَّار. والجبار هُوَ الَّذِي لَا يرى فَوْقه أحد، والجبرية طلب الْعُلُوّ بِمَا لَا غَايَة وَرَاءه، وَهُوَ وصف لَا يَصح إِلَّا لله، وَأما فِي وصف الْخلق فَهُوَ مَذْمُوم، وَقيل: الْجَبَّار هُوَ الَّذِي يجْبر الْخلق على مُرَاده. وَأما العنيد: هُوَ المعاند للحق.
قَوْله تَعَالَى: {من وَرَائه جَهَنَّم} الْأَكْثَرُونَ مَعْنَاهُ: من أَمَامه جَهَنَّم. قَالَ الشَّاعِر:
(وَمن ورائك يَوْم أَنْت بالغه ... لَا حَاضر معجز عَنهُ وَلَا باد)
يَعْنِي: من أمامك، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة:
قَوْله: {وَمن وَرَائه جَهَنَّم} يَعْنِي: من بعده جَهَنَّم. وَقَوله: {ويسقى من مَاء صديد} مَعْنَاهُ: من مَاء هُوَ صديد. والصديد مَا يسيل من الْكفَّار من الْقَيْح وَالدَّم، وَالْأَصْل فِي الصديد هُوَ المَاء الَّذِي يخرج من الْجرْح مختلطا بِالدَّمِ والقيح، وَقيل: من مَاء صديد أَي: من مَاء كالصديد.
وَقَوله: {يتجرعه} أَي: يشربه جرعة جرعة من مرارته وشدته. وَفِي الحَدِيث أَن النَّبِي قَالَ: " إِذا أدناه من وَجهه شوى وَجهه وَسَقَطت فَرْوَة رَأسه، وَإِذا شربه تقطعت أمعاؤه، وَخرجت الأمعاء من دبره ".
وَقَوله: {وَلَا يكَاد يسيغه} يَعْنِي: لَا يسيغه، وَقيل مَعْنَاهُ: يكَاد لَا يسيغه، ويسيغه؛ ليغلي فِي جَوْفه. وَقَوله: {ويأتيه الْمَوْت من كل مَكَان} قَالَ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ: من كل شَعْرَة من جسده، وَقيل: يَأْتِيهِ الْمَوْت من قدامه وَمن خَلفه، وَمن فَوْقه وَمن تَحْتَهُ، وَعَن يَمِينه وَعَن شِمَاله.
وَقَوله: {وَمَا هُوَ بميت} يَعْنِي: عَلَيْهِ شدَّة الْمَوْت وَلَا يَمُوت، وَهُوَ فِي معنى قَوْله
الصفحة 109