كتاب تفسير السمعاني (اسم الجزء: 3)
( {40) رَبنَا اغْفِر لي ولوالدي وَلِلْمُؤْمنِينَ يَوْم يقوم الْحساب (41) وَلَا تحسبن الله غافلا عَمَّا يعْمل الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يؤخرهم ليَوْم تشخص فِيهِ الْأَبْصَار (42) مهطعين مقنعي}
وَفِي تَفْسِير الدمياطي: أَن قَوْله: {ولوالدي} أَي: لوَلَدي، قَالَ ابْن فَارس: وَيجوز هَذَا فِي اللُّغَة، وَهُوَ أَن يذكر الْوَالِد بِمَعْنى الْمَوْلُود، كَمَا يُقَال: مَاء دافق أَي: مدفوق. وَقَوله: {وَلِلْمُؤْمنِينَ} ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: {يَوْم يقوم الْحساب} أَي: يَوْم يُحَاسب الله الْخلق.
قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تحسبن الله غافلا عَمَّا يعْمل الظَّالِمُونَ} الْآيَة. الْغَفْلَة معنى يمْنَع الْإِنْسَان من الْوُقُوف على حَقِيقَة الْأُمُور. وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: هَذِه الْآيَة تَعْزِيَة للمظلوم وتسلية لَهُ، وتهديد للظالم.
وَقَوله: {إِنَّمَا يؤخرهم} مَعْنَاهُ: إِنَّمَا يمهلهم. وَقَوله: {ليَوْم تشخص فِيهِ الْأَبْصَار} يَعْنِي: من الدهش والحيرة وَشدَّة الْأَمر، وَمعنى تشخص أَي: ترْتَفع وتزول عَن أماكنها.
وَقَوله {مهطعين} الْأَكْثَرُونَ أَن مَعْنَاهُ مُسْرِعين، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى الثَّعْلَب: الإهطاع هُوَ النّظر فِي (الذل والخضوع) . وَقيل: مهطعين أَي: مديمي النّظر لَا يطرفون. وَمعنى الْإِسْرَاع الَّذِي ذكرنَا هُوَ أَنهم لَا يلتفتون يَمِينا وَلَا شمالا، وَلَا يعْرفُونَ مَوَاطِن أَقْدَامهم، وَلَيْسَ لَهُم همة وَلَا نظر إِلَى مَا يساقون إِلَيْهِ.
وَقَوله: {مقنعي رُءُوسهم} يُقَال: أقنع رَأسه أَي: رَفعه، وأقنع رَأسه إِذْ خفضه، فَإِن كَانَ المُرَاد هُوَ الرّفْع فَمَعْنَاه: أَن أَبْصَارهم إِلَى السَّمَاء ينظرُونَ مَاذَا يرد عَلَيْهِم من الله تَعَالَى، وَإِن حمل الْإِقْنَاع على خفض الرَّأْس فَمَعْنَاه: مطرقون ناكسون، قَالَ الشَّاعِر:
(نغض رَأْسِي نَحوه وأقنعا ... كَأَنَّمَا يطْلب شَيْئا أطمعا)
وَقَالَ المؤرج: رفعوا رُءُوسهم حَتَّى كَادُوا يضعونها على أكتافهم.
الصفحة 122