كتاب تفسير السمعاني (اسم الجزء: 3)

{وَإِنَّا لَهُ لحافظون (9) وَلَقَد أرسلنَا من قبلك فِي شيع الْأَوَّلين (10) وَمَا يَأْتِيهم من رَسُول إِلَّا كَانُوا بِهِ يستهزءون (11) كَذَلِك نسلكه فِي قُلُوب الْمُجْرمين (12) لَا} الْمَلَائِكَة عيَانًا، فأجابهم الله تَعَالَى بِهَذَا، وَمَعْنَاهُ: أَنهم لَو نزلُوا عيَانًا زَالَ الْإِمْهَال عَن الْكفَّار وعذبوا فِي الْحَال.
قَوْله تَعَالَى: {إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر} يَعْنِي: الْقُرْآن {وَإِنَّا لَهُ لحافظون} فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنا نَحْفَظ مُحَمَّدًا، وَالْآخر: أَنا نَحْفَظ الْقُرْآن، وَهُوَ الْأَلْيَق بِظَاهِر اللَّفْظ، وَمعنى حفظ الْقُرْآن أَنه يمْنَع من الزِّيَادَة فِيهِ أَو النُّقْصَان عَنهُ، قَالَ الله تَعَالَى {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه} وَالْبَاطِل هُوَ إِبْلِيس، وَمَعْنَاهُ: أَن إِبْلِيس لَا يقدر أَن يزِيد فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَلَا أَن ينقص عَنهُ مَا هُوَ مِنْهُ.
قَوْله تَعَالَى: {وَلَقَد أرسلنَا من قبلك فِي شيع الْأَوَّلين} الشِّيعَة: هم الْقَوْم المجتمعة المتفقة كلمتهم، وَمَعْنَاهُ هَاهُنَا: فِي أُمَم الْأَوَّلين.
وَقَوله: {وَمَا يَأْتِيهم من رَسُول إِلَّا كَانُوا بِهِ يستهزئون} هَذَا تَسْلِيَة للنَّبِي، وَمَعْنَاهُ: أَنهم كَمَا استهزءوا بك فقد استهزىء بالأنبياء من قبلك.
وَقَوله تَعَالَى: {كَذَلِك نسلكه فِي قُلُوب الْمُجْرمين} قَالَ الْحسن: كَذَلِك نسلك الشّرك فِي قُلُوب الْمُجْرمين، ونسلك، أَي: ندخل، وَقَالَ مُجَاهِد: نسلك التَّكْذِيب، وَمعنى كَاف التَّشْبِيه، أَي: كَمَا فعلنَا بالكفار من قبل هَؤُلَاءِ، كَذَلِك نَفْعل بهؤلاء الْكفَّار. وَقد قَالَ بَعضهم: إِن معنى قَوْله: {كَذَلِك نسلكه} أَي: نسلك الْقُرْآن، وَمَعْنَاهُ: أَنه لما أَعْطَاهُم مَا يفهمون بِهِ الْقُرْآن، فَكَأَنَّهُ سلك الْقُرْآن فِي قُلُوبهم. وَالْمَنْقُول عَن السّلف هُوَ القَوْل الأول، وَهُوَ رد على الْقَدَرِيَّة صَرِيحًا.
وَقَوله: {لَا يُؤمنُونَ بِهِ} يَعْنِي بِالنَّبِيِّ وَالْقُرْآن. {وَقد خلت سنة الْأَوَّلين} أَي: مَضَت سنة الْأَوَّلين، وَسنة الْأَوَّلين: هُوَ الإهلاك عِنْد تَكْذِيب الْأَنْبِيَاء.

الصفحة 131