كتاب تفسير السمعاني (اسم الجزء: 3)

{وهم داخرون (48) وَللَّه يسْجد مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض من دَابَّة وَالْمَلَائِكَة وهم لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49) يخَافُونَ رَبهم من فَوْقهم ويفعلون مَا يؤمرون (50) وَقَالَ الله} كلهَا مجبولة على مَا أُرِيد لَهَا فِي أصل الْخلقَة.
وَذكر بَعضهم: أَنه إِنَّمَا أضَاف السُّجُود إِلَى هَذِه الْأَشْيَاء؛ لِأَنَّهَا تَدْعُو إِلَى السُّجُود، فَكَأَنَّهَا فِي أَنْفسهَا سَاجِدَة، وَالأَصَح هُوَ القَوْل الأول ثمَّ الثَّانِي.
وَقَوله: {وهم داخرون} أَي: صاغرون.
قَوْله تَعَالَى: {وَللَّه يسْجد مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض من دَابَّة} المُرَاد من الدَّابَّة هَاهُنَا قَالُوا: هِيَ الْحَيَوَان؛ لِأَن الْحَيَوَان من شَأْنه الدبيب، وَيُقَال: وَللَّه يسْجد مَا فِي السَّمَوَات من الْمَلَائِكَة، وَمَا فِي الأَرْض من دَابَّة.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يَسْتَقِيم هَذَا الْمَعْنى، وَقد قَالَ بعده: {وَالْمَلَائِكَة} ؟
وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه خصهم بِالذكر تَشْرِيفًا لَهُم.
وَالْآخر: أَن المُرَاد من الْمَلَائِكَة الْمَذْكُورين أخيرا هم مَلَائِكَة الله فِي الأَرْض، يعْبدُونَ الله تَعَالَى ويسبحونه. وَقَوله: {وهم لَا يستكبرن} الاستكبار: طلب الْكبر بترك الإذعان للحق.
قَوْله تَعَالَى: {يخَافُونَ رَبهم من فَوْقهم} قَالَ بَعضهم مَعْنَاهُ: يخَافُونَ عَذَاب رَبهم من فَوْقهم، وَالْقَوْل الثَّانِي - وَهُوَ الْأَصَح - أَن هَذِه صفة الْعُلُوّ [الَّتِي] تفرد الله بهَا، وَهُوَ كَمَا وصف بِهِ نَفسه من غير تكييف.
وَقَوله: {ويفعلون مَا يؤمرون} يَعْنِي: أَن الْمَلَائِكَة لَا يعصونه.
قَوْله تَعَالَى: {وَقَالَ الله لَا تَتَّخِذُوا إلَيْهِنَّ اثْنَيْنِ} فَإِن قَالَ قَائِل: أيش معنى قَوْله: {اثْنَيْنِ} وَقد قَالَ: {إِلَهَيْنِ} ؟
الْجَواب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: على طَرِيق التَّأْكِيد، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: {فَصِيَام

الصفحة 177