كتاب تفسير السمعاني (اسم الجزء: 3)
{يعظكم لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ (90) وأوفوا بِعَهْد الله إِذا عاهدتم وَلَا تنقضوا الْأَيْمَان بعد توكيدها وَقد جعلتم الله عَلَيْكُم كَفِيلا إِن الله يعلم مَا تَفْعَلُونَ (91) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي}
وَفِي بعض المسانيد: أَن شتيرا جَاءَ إِلَى مَسْرُوق، فَقَالَ لَهُ: إِمَّا أَن تُحَدِّثنِي عَن عبد الله فأصدقك، أَو أحَدثك عَن عبد الله فتصدقني، فَقَالَ: حدث أَنْت، فَقَالَ: سَمِعت عبد الله يَقُول: أجمع آيَة فِي الْقُرْآن للخير وَالشَّر قَوْله تَعَالَى: {إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان} فَقَالَ لَهُ مَسْرُوق: صدقت.
وَيُقَال: إِن الْعدْل زَكَاة الْولَايَة، وَالْعَفو زَكَاة الْقُدْرَة، وَالْإِحْسَان زَكَاة النِّعْمَة، والكتب إِلَى الإخوان زَكَاة الجاه؛ يَعْنِي: كتب الْوَسِيلَة.
وَقَوله تَعَالَى: {يعظكم لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ} يَعْنِي: تعتبرون.
قَوْله تَعَالَى: {وأوفوا بِعَهْد الله إِذا عاهدتم} الْآيَة، قَالَ: الْعَهْد هَاهُنَا هُوَ الْيَمين، وَعَن جَابر بن زيد وَالشعْبِيّ أَنَّهُمَا قَالَا: الْعَهْد يَمِين، وكفارته كَفَّارَة الْيَمين.
وَعَن عمر قَالَ: الْوَعْد من الْعَهْد، وَمثله عَن ابْن عَبَّاس.
وَقَوله: {وَلَا تنقضوا الْأَيْمَان بعد توكيدها} أَي: بعد إحكامها {وَقد جعلتم الله عَلَيْكُم كَفِيلا} أَي: شَهِيدا، وَقيل: توثقتم باسمه كَمَا يتوثق بالكفيل. وَقَوله: {إِن الله يعلم مَا تَفْعَلُونَ} وَعِيد وتهديد.
قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نقضت غزلها} هَذِه امْرَأَة كَانَت تسمى ريطة بنت سعد، وَكَانَت بهَا وَسْوَسَة؛ فَكَانَت تجْلِس بِجَانِب الْحجر، وتغزل طول نَهَارهَا بمغزل كَبِير، فَإِذا كَانَ الْعشي نقضته.
وَقيل: كَانَت تَأمر جواريها بنقضه، فَشبه الله من نقض الْعَهْد بهَا، وَمَعْنَاهُ: أَنَّهَا لم تكف عَن الْعَمَل، وَلَا حِين عملت كفت عَن النَّقْض، فَكَذَلِك أَنْتُم لَا كففتم عَن الْعَهْد، وَلَا حِين عهدتم وفيتم.
وَقَوله: {من بعد قُوَّة} أَي: بعد إحكام. وَقَوله: {أنكاثا} أَي: إنقاضا وقطعا.
الصفحة 197