كتاب تفسير السمعاني (اسم الجزء: 3)
{وَلَا تجْعَل يدك مغلولة إِلَى عُنُقك وَلَا تبسطها كل الْبسط فتقعد ملوما محسورا (29) }
وَقَوله: {فَقل لَهُم قولا ميسورا} الْيُسْر: ضد الْعسر، والميسور هَا هُنَا هُوَ الْعدة فِي قَول أَكثر الْمُفَسّرين. وَهُوَ أَن يَقُول: يأتينا شَيْء فَنُعْطِيه. وَعَن سُفْيَان الثَّوْريّ قَالَ: عدَّة النَّبِي دين، وَقيل: القَوْل الميسور هُوَ أَن تَقول: يرزقنا الله وَإِيَّاك، أَو يَقُول: بَارك الله فِيك.
وَاعْلَم أَن الْآيَة خطاب مَعَ النَّبِي، وَقد كَانَ هَؤُلَاءِ الْقَوْم يسألونه، وَكَانَ يكره الرَّد وَلَيْسَ عِنْده شَيْء يعْطى، فَجعل يمسك من القَوْل، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة {فَقل لَهُم قولا ميسورا} .
قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تجْعَل يدك مغلولة إِلَى عُنُقك} الْآيَة. روى ابْن مَسْعُود: " أَن امْرَأَة بعثت غُلَاما إِلَى رَسُول الله تسأله شَيْئا، فَقَالَ النَّبِي: لَيْسَ عِنْدِي شَيْء، فَرجع الْغُلَام وَذكر لَهَا؛ فَردَّتْ الْغُلَام وَقَالَت: سَله قَمِيصه الَّذِي هُوَ لابسه، فَسَأَلَهُ فَأعْطَاهُ ذَلِك، وَبَقِي فِي الْبَيْت بِلَا قَمِيص، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة ".
وَقَوله: {وَلَا تجْعَل يدك مغلولة إِلَى عُنُقك} أَي: لَا تبخل، وَالْكَلَام على وَجه التَّمْثِيل فَجعل الْبَخِيل الممسك كمن يَده مغلولة إِلَى عُنُقه.
وَقَوله: {وَلَا تبسطها كل الْبسط} أَي: لَا تسرف فِي الْإِعْطَاء.
وَقَوله: {فتقعد ملوما محسورا} والملوم: هُوَ الَّذِي أَتَى بِمَا يلوم بِهِ نَفسه ويلومه غَيره، والمحسور هُوَ الْمُنْقَطع بِهِ الَّذِي قد ذهب مَاله، وَبَقِي ذَا حسرة، يُقَال: دَابَّة حسير إِذا أعيت من السّير فَقَامَتْ بالراكب. فَمَعْنَى الْآيَة لَا تحمل على نَفسك كل الْحمل فِي الْإِعْطَاء، فَتَصِير بِمَنْزِلَة من بلغت بِهِ النِّهَايَة فِي التَّعَب والإعياء.
قَالَ قَتَادَة: محسورا أَي: نَادِما. وأنشدوا فِي الدَّابَّة الحسير:
الصفحة 236