كتاب تفسير السمعاني (اسم الجزء: 3)
{كل أُولَئِكَ كَانَ عَنهُ مسؤولا (36) وَلَا تمش فِي الأَرْض مرحا إِنَّك لن تخرق الأَرْض وَلنْ تبلغ الْجبَال طولا (37) كل ذَلِك كَانَ سيئه عِنْد رَبك مَكْرُوها (38) ذَلِك مِمَّا}
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن السّمع وَالْبَصَر والفؤاد يسْأَل عَمَّا فعله الْمَرْء. فَإِن قيل: قد قَالَ: {كل أُولَئِكَ كَانَ عَنهُ مسئولا} ، وَأُولَئِكَ لَا يُقَال إِلَّا للعقلاء؟ وَالْجَوَاب: قُلْنَا: يجوز أَن يُقَال لغير الْعُقَلَاء. قَالَ جرير:
(ذمّ الْمنَازل بعد منزلَة اللوى ... والعيش بعد أُولَئِكَ الْأَيَّام)
قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تمش فِي الأَرْض مرحا} المرح هُوَ الْفَرح بِالْبَاطِلِ، وَيُقَال: هُوَ الأشر والبطر، وَيُقَال: هُوَ البأو وَالْعَظَمَة، وَقيل: الْخُيَلَاء.
وَقَوله: {إِنَّك لن تخرق الأَرْض} أَي: لن تثقب الأَرْض، وَقيل: لن تقطع الأَرْض بالسير.
وَقَوله: {وَلنْ تبلغ الْجبَال طولا} أَي: لَا يقدر أَن يَتَطَاوَل الْجبَال، وَفِي الْمَعْنى وَجْهَان: أَحدهمَا: أَن الْإِنْسَان إِذا مَشى مختالا، فَمرَّة يمشي على عَقِبَيْهِ، وَمرَّة يمشي على صُدُور قَدَمَيْهِ. فَقَالَ: لن تثقب الأَرْض إِن مشيت على عقبيك، وَلنْ تبلغ الْجبَال طولا إِن مشيت على صُدُور قَدَمَيْك.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن من أَرَادَ أَن يخرق الأَرْض أَو يطاول الْجبَال لَا يحصل على شَيْء، فَكَذَلِك من مَشى مختالا لَا يحصل باختياله على شَيْء.
وَقَوله: {كل ذَلِك كَانَ سَيِّئَة عِنْد رَبك مَكْرُوها} قرى: " سيئه " وَقَوله: " سَيِّئَة " بِالتَّنْوِينِ أَي: كل مَا نهيت عَنهُ فِي هَذِه الْآيَات فَهِيَ سَيِّئَة مَكْرُوهَة عِنْد رَبك، وَمن قَرَأَ " سيئه " بِالرَّفْع فَمَعْنَاه على التَّبْعِيض؛ لِأَنَّهُ قد تقدم بعض مَا لَيْسَ بسيئة مثل قَوْله: {وَآت ذَا الْقُرْبَى حَقه} ، وَكَذَلِكَ قَوْله: {واخفض لَهما جنَاح الذل من الرَّحْمَة وَقل رب ارحمهما} وَغير ذَلِك. فَمَعْنَاه أَن مَا تقدم فِي هَذِه الْآيَات من السَّيئَة مَكْرُوهَة عِنْد رَبك.
الصفحة 242