كتاب تفسير السمعاني (اسم الجزء: 3)

{بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَا تفقهون تسبيحهم إِنَّه كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44) وَإِذا قَرَأت الْقُرْآن جعلنَا بَيْنك وَبَين الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة حِجَابا مَسْتُورا (45) وَجَعَلنَا على قُلُوبهم أكنة أَن} سبح لي كَذَا، وَسبح لي كَذَا، وَسبح لي كَذَا، وعَلى القَوْل الْأَخير قَوْله: {وَلَكِن لَا تفقهون تسبيحهم} أَي: لَا تستدلون بمشاهدة هَذِه الْأَشْيَاء على تَعْظِيم الله. وَهَذَا لَيْسَ بمعتمد، وَالصَّحِيح مَا بَينا.
وَقَوله: {إِنَّه كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} قد بَينا معنى الْحَلِيم والغفور.
وَقَوله تَعَالَى: {وَإِذا قَرَأت الْقُرْآن جعلنَا بَيْنك وَبَين الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة حِجَابا مَسْتُورا} رُوِيَ فِي الْأَخْبَار أَنه لما نزلت سُورَة {تبت يدا أبي لَهب} جَاءَتْهُ امْرَأَته أم جميل، وَمَعَهَا فهر، وقصدت النَّبِي وَهِي تَقول: مذمما أَبينَا، وَدينه قلينا، وَأمره عصينا، وَكَانَ النَّبِي جَالِسا مَعَ أبي بكر فِي الْحجر، فَقَالَ أَبُو بكر للنَّبِي: هَذِه الْمَرْأَة قد جَاءَت، فَقَالَ النَّبِي: إِنَّهَا لَا تراني؛ وَقَرَأَ هَذِه الْآيَة؛ فَجَاءَت الْمَرْأَة، وَقَالَت: يَا أَبَا بكر، أَيْن صَاحبك؟ فقد بَلغنِي أَنه هجاني، وهجا أَبَا لَهب، وَقد علمت قُرَيْش أَنِّي بنت سَيِّدهَا. فَلم يقل أَبُو بكر شَيْئا، وَرجعت وَهِي تَقول: قد كنت جِئْت بِهَذَا الْحجر؛ لأرضخ رَأسه ". روته عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا.
وَمِنْهُم من قَالَ: كَانَ النَّبِي يُصَلِّي وَيقْرَأ الْقُرْآن، وَكَانَ الْمُشْركُونَ يقصدونه بالأذى، فَكَانُوا يجيئون وَلَا يرونه.
وَقَوله: {حِجَابا مَسْتُورا} فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: حِجَابا ساترا، وَالْآخر: مَسْتُورا بِهِ. وَقيل: إِن الْحجاب الَّذِي جعله الله هُوَ الأكنة الَّتِي خلقهَا على قُلُوبهم.
قَوْله تَعَالَى: {وَجَعَلنَا على قُلُوبهم أكنة} أَي: أغطية، وَحكى بعض السّلف أَنه

الصفحة 245