كتاب تفسير السمعاني (اسم الجزء: 3)
{فَمن أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ فَأُولَئِك يقرءُون كِتَابهمْ وَلَا يظْلمُونَ فتيلا (71) وَمن كَانَ فِي هَذِه أعمى فَهُوَ فِي الْآخِرَة أعمى وأضل سَبِيلا (72) وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَك عَن}
وَقَوله تَعَالَى: {فَمن أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ فَأُولَئِك يقرءُون كِتَابهمْ} وَالْكتاب: هُوَ صحيفَة الْحَسَنَات والسيئات.
وَقَوله: {وَلَا يظْلمُونَ فتيلا} أَي: لَا ينقص من حَقهم بِقدر الفتيل.
والفتيل: هُوَ الَّذِي فِي شقّ النواة، وَقيل: مَا فتل بَين الْأَصَابِع.
قَوْله تَعَالَى: {وَمن كَانَ فِي هَذِه أعمى فَهُوَ فِي الْآخِرَة أعمى وأضل سَبِيلا} لَيْسَ الْعَمى هَاهُنَا هُوَ عمى الْبَصَر؛ لِأَن النَّاس يحشرون بأتم خلق مصححة الأجساد لخلود الْأَبَد. وَفِي الْخَبَر عَن النَّبِي قَالَ: " تحشرون يَوْم الْقِيَامَة حُفَاة عُرَاة غرلًا بهما " وَقَوله: بهما: أَي: مصححة الأجساد للخلود. فعلى هَذَا معنى قَوْله: {وَمن كَانَ فِي هَذِه أعمى} أَي: أعمى الْقلب عَن رُؤْيَة [الْحق] {فَهُوَ فِي الْآخِرَة أعمى} أَي: أَشد عمى.
وَقيل مَعْنَاهُ: من كَانَ فِي هَذِه الدُّنْيَا بَعيدا عَن الْحق، فَهُوَ فِي الْآخِرَة أبعد، وَقيل: من كَانَ فِي هَذِه الدُّنْيَا أعمى من الِاعْتِبَار، فَهُوَ فِي الْآخِرَة أعمى عَن الِاعْتِذَار.
وَقَوله: {وأضل سَبِيلا} أَي: أَخطَأ طَرِيقا.
قَوْله تَعَالَى: {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَك عَن الَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك} مَعْنَاهُ: ليصرفونك عَن الَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك. وَسبب نزُول الْآيَة أَن الْمُشْركين قَالُوا للنَّبِي: اطرد هَؤُلَاءِ الْفُقَرَاء عَنْك حَتَّى نجلس مَعَك ونسلم؛ فهم أَن يفعل ثمَّ يَدعُوهُم من بعد، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة. وَعَن سعيد بن جُبَير وَمُجاهد أَنَّهُمَا قَالَا: طلبُوا من النَّبِي أَن يمس آلِهَتهم حَتَّى يسلمُوا ويتبعوه، فَقَالَ النَّبِي فِي نَفسه: وَمَا عَليّ أَن أفعل ذَلِك إِذا علم الله مني أَنِّي كَارِه لَهُ، وَكَانَ ذَلِك خاطر قلب، وَلم يكن عزما - فَأنْزل
الصفحة 264