كتاب تفسير السمعاني (اسم الجزء: 3)

{وَإِن الله رَبِّي وربكم فاعبدوه هَذَا صِرَاط مُسْتَقِيم (36) فَاخْتلف الْأَحْزَاب من بَينهم فويل للَّذين كفرُوا من مشْهد يَوْم عَظِيم (37) أسمع بهم وَأبْصر يَوْم يأتوننا لَكِن}
قَوْله تَعَالَى: {وَإِن الله رَبِّي وربكم} . أَكثر الْمُفَسّرين أَن هَذَا بِنَاء على قَول عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام، وَمَعْنَاهُ: قَالَ إِنِّي عبد الله ... إِلَى آخِره، وَقَالَ: إِن الله رَبِّي وربكم، وَأما أَن بِالْفَتْح مَعْنَاهُ: وَأخْبر بِأَن الله رَبِّي وربكم، وَقيل تَقْدِيره: وَلِأَن الله رَبِّي وربكم، فاعبده، وَالْعَامِل قَوْله: {فاعبدوه} .
وَقَوله: {فاعبدوه هَذَا صِرَاط مُسْتَقِيم} ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: {فَاخْتلف الْأَحْزَاب من بَينهم} قَالَ قَتَادَة وَابْن جريج وَغَيرهمَا: لما رفع عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى السَّمَاء، اخْتَار بَنو إِسْرَائِيل أَرْبَعَة من رُءُوسهم، وسألوهم عَن عِيسَى، فَاخْتَلَفُوا، فَقَالَ أحدهم: كَانَ هُوَ الله نزل من السَّمَاء، وَصَارَ فِي بطن مَرْيَم، وَأَحْيَا وأمات، ثمَّ صعد إِلَى السَّمَاء. فَقَالَ الْآخرُونَ: كذبت، وَهَذَا قَول اليعقوبية من النَّصَارَى.
وَقَالَ الثَّانِي: كَانَ هُوَ ابْن الله، فَقَالَ الْآخرَانِ: كذبت. وَهَذَا قَول النسطورية من النَّصَارَى.
وَقَالَ الثَّالِث: كَانَ ثَالِث ثَلَاثَة: الله وَمَرْيَم وَعِيسَى، فعيسى أحد الأقانيم الثَّلَاثَة، وَهَذَا قَول الملكانية من النَّصَارَى، قَالَ الرَّابِع: كذبت. ثمَّ إِن الرَّابِع قَالَ: هُوَ عبد الله وَرَسُوله، وَتبع كل وَاحِد جمَاعَة فَاقْتَتلُوا، وَظهر على الْمُسلمين، وَبَقِي الْأَقْوَال الثَّلَاثَة من النَّصَارَى. فَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى: {فَاخْتلف الْأَحْزَاب من بَينهم} .
وَقَوله: {فويل للَّذين كفرُوا} . قد بَينا معنى الويل.
وَقَوله: {من مشْهد يَوْم عَظِيم} يَعْنِي: يَوْم الْقِيَامَة.
قَوْله تَعَالَى: {أسمع بهم وَأبْصر} يَعْنِي: مَا أسمعهم وأبصرهم يَوْم الْقِيَامَة. وَإِنَّمَا

الصفحة 292