كتاب تفسير السمعاني (اسم الجزء: 3)

{قوم لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وهم بِالآخِرَة هم كافرون (37) وَاتَّبَعت مِلَّة آبَائِي إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب مَا كَانَ لنا أَن نشْرك بِاللَّه من شَيْء ذَلِك من فضل الله علينا وعَلى} إِلَّا نبأتكما بتأويله قبل أَن يأتيكما) فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: لَا تدعوان بِطَعَام من منازلكما إِلَّا نبأتكما بِقَدرِهِ ولونه وطعمه وَالْوَقْت الَّذِي يصل إلَيْكُمَا فِيهِ قبل أَن يصل إلَيْكُمَا؛ وَهَذِه المعجزة مثل معْجزَة عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَام - وَقَوله: {وأنبئكم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تدخرون فِي بُيُوتكُمْ} .
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه كَانَ من رسم الْملك إِذا أَرَادَ أَن يقتل إنْسَانا يبْعَث إِلَيْهِ بِطَعَام مَعْرُوف عِنْدهم، وَإِذا أَرَادَ أَن يكرم إنْسَانا بعث إِلَيْهِ بِطَعَام مَعْرُوف عِنْدهم؛ فَهَذَا معنى قَوْله: {لَا يأتيكما طَعَام ترزقانه} .
وَالْقَوْل الثَّالِث: لَا يأتيكما طَعَام ترزقانه فِي الْمَنَام إِلَّا نبأتكما بتأويله فِي الْيَقَظَة، فَقَالُوا: من أَيْن لَك ذَلِك، أتتكهن أم تتنجم؟ فَقَالَ: لَا؛ وَلَكِن مِمَّا عَلمنِي رَبِّي. فَهَذَا معنى قَوْله {ذلكما مِمَّا عَلمنِي رَبِّي} . وَقَوله: {إِنِّي تركت مِلَّة قوم لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وهم بِالآخِرَة هم كافرون} ظَاهر.
ثمَّ قَالَ: {وَاتَّبَعت مِلَّة آبَائِي إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب} أظهر أَنه نَبِي وَأَنه من ولد الْأَنْبِيَاء. وَقَوله: {مَا كَانَ لنا أَن نشْرك بِاللَّه من شَيْء} مَعْنَاهُ: أَن الله قد عصمنا من الْإِشْرَاك بِهِ. وَقَوله: {ذَلِك من فضل الله علينا وعَلى النَّاس} يَعْنِي بِهِ: مَا أَقَامَ من الدَّلِيل وَبَين من الْهدى. وَقَوله: {وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يشكرون} ظَاهر الْمَعْنى.
ثمَّ زَاد فِي الدّلَالَة على التَّوْحِيد فَقَالَ:
{يَا صَاحِبي السجْن أأرباب متفرقون} وسماهما: صَاحِبي السجْن؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا فِي السجْن، وَقَوله {أأرباب متفرقون} أَي: أَمْلَاك متباينون هَذَا [من] ذهب، وَهَذَا من فضَّة، وَهَذَا من نُحَاس، وَهَذَا من خشب، وَقيل: هَذَا أَعلَى، وَهَذَا أَوسط، وَهَذَا أدنى، وَقَوله: {خير أم الله الْوَاحِد القهار} الْوَاحِد الْغَالِب على كل شَيْء، وَالْمرَاد، نفي الْخَيْرِيَّة مِنْهُم أصلا، وَقد ذكرنَا

الصفحة 31