كتاب تفسير السمعاني (اسم الجزء: 3)

{قبل أَن يقْضى إِلَيْك وحيه وَقل رب زِدْنِي علما (114) وَلَقَد عهدنا إِلَى آدم من قبل فنسي وَلم نجد لَهُ عزما (115) وَإِذ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا لآدَم فسجدوا إِلَّا إِبْلِيس} الثَّانِي: مَعْنَاهَا: وَلَا تطلب الْإِنْزَال من الله تَعَالَى، واصبر حَتَّى يَأْتِيك جِبْرِيل بِمَا ينزله الله تَعَالَى. وَالْقَوْل الثَّالِث: مَعْنَاهَا: وَلَا تبين للنَّاس مَا لم يُصَلِّي إِلَيْك تَأْوِيله، وَمَعْنَاهُ: وَلَا تبين من قبل نَفسك. وَالْقَوْل الأول هُوَ الْمَعْرُوف.
وَقَوله: {وَقل رب زِدْنِي علما} أَي: علما إِلَى مَا علمت، فَكَانَ ابْن مَسْعُود إِذا قَرَأَ هَذِه الْآيَة قَالَ: اللَّهُمَّ زِدْنِي إِيمَانًا ويقينا. وَعَن مَالك بن أنس قَالَ: من شَأْن ابْن آدم أَلا يعلم كل شَيْء، وَمن شَأْن ابْن آدم أَن يعلم ثمَّ ينسى، وَمن شَأْن ابْن آدم أَن يطْلب من الله علما إِلَى علمه.
قَوْله تَعَالَى: {وَلَقَد عهدنا إِلَى آدم من قبل} الْعَهْد هَا هُنَا هُوَ الْأَمر.
وَقَوله: {فنسي} مَعْنَاهُ: فَترك، وَعَن ابْن عَبَّاس: أَن الْإِنْسَان سمي إنْسَانا؛ لِأَنَّهُ ينسى.
وَقَوله: {وَلم نجد لَهُ عزما} مَعْنَاهُ: صبرا، وَقيل: حزما، وَقَالَ عَطِيَّة: حفظا لما أَمر بِهِ والعزم هُوَ توطين النَّفس على الْفِعْل.
وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ: لَو قوبل عقل آدم بعقل جَمِيع وَلَده لرجحهم، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: {وَلم نجد لَهُ عزما} . وَعَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ قَالَ: لَو وزن حلم آدم بحلم جَمِيع وَلَده لرجح حلمه، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: {وَلم نجد لَهُ عزما} فَإِن قيل: أتقولون أَن آدم - عَلَيْهِ السَّلَام - كَانَ نَاسِيا لأمر الله تَعَالَى حِين أكل من الشَّجَرَة؟ قُلْنَا: يجوز أَنه نسي، وَمِنْهُم من قَالَ: نسي عُقُوبَة الله تَعَالَى، وَظن أَنه نهي تَنْزِيه، لَا نهي تَحْرِيم، وَمِنْهُم من قَالَ: ظن أَنه إِنَّمَا نهى عَن شَجَرَة بِعَينهَا، وَلم ينْه عَن جنس الشَّجَرَة.
قَوْله تَعَالَى: {وَإِذ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا لآدَم فسجدوا إِلَّا إِبْلِيس أَبى} ظَاهر الْمَعْنى.

الصفحة 358