كتاب تفسير السمعاني (اسم الجزء: 3)
{وَمن عِنْده لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبَادَته وَلَا يستحسرون (19) يسبحون اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يفترون (20) أم اتَّخذُوا آلِهَة من الأَرْض هم ينشرون (21) لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله}
قَوْله تَعَالَى: {وَله من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض} أَي: من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض عبيدا وملكا.
وَقَوله: {وَمن عِنْده} أَي: الْمَلَائِكَة.
وَقَوله: {لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبَادَته} . أَي: لَا يتعظمون عَن عِبَادَته، وَذكر ابْن فَارس فِي تَفْسِيره فِي خبر: أَن الله تَعَالَى لما اسْتَوَى على عَرْشه، سجد ملك فَلَا يرفع رَأسه من السُّجُود إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، فَإِذا رفع رَأسه يَوْم الْقِيَامَة قَالَ: سُبْحَانَكَ، مَا عبدتك حق عبادتك غير أَنِّي لم أشرك بك، وَلم أَتَّخِذ لَك ندا.
وَقَوله: {وَلَا يستحسرون} أَي: لَا يعيون، يُقَال: دَابَّة حسيرة إِذا كَانَت عيية، قَالَ كَعْب الْأَحْبَار: التَّسْبِيح لَهُم كالتنفس لبني آدم.
قَوْله تَعَالَى: {يسبحون اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يفترون} يَعْنِي: يسبحون دَائِما، لَا يضعفون وَلَا يفنون، وَاعْلَم أَنه لَيْسَ عِنْد الْمَلَائِكَة ليل وَلَا نَهَار؛ وَإِنَّمَا المُرَاد بِذكر اللَّيْل وَالنَّهَار هَاهُنَا: هُوَ الدَّوَام على التَّسْبِيح.
قَوْله تَعَالَى: {أم اتَّخذُوا آلِهَة من الأَرْض هم ينشرون} معنى قَوْله: {من الأَرْض} أَي: من الْخشب وَالْحِجَارَة، (وَقد كَانَت عَامَّة أصنام الْمُشْركين من الْخشب وَالْحِجَارَة) ، وهما من الأَرْض.
وَقَوله: {هم ينشرون} أَي: يحيون، وَلَا يسْتَحق الإلهية إِلَّا من يقدر على الْإِحْيَاء والإيجاد من الْعَدَم؛ لِأَنَّهُ الإنعام بأبلغ وُجُوه النعم، وَهَذَا لَا يَلِيق بِوَصْف الْبشر وكل مُحدث. وأنشدوا للأعشى فِي الانتشار:
(لَو أسندت مَيتا إِلَى نحرها ... عَاشَ وَلم ينْقل إِلَى قابر)
(حَتَّى يَقُول النَّاس مِمَّا رَأَوْا ... أيا عجبا للْمَيت الناشر)
الصفحة 373