كتاب تفسير السمعاني (اسم الجزء: 3)

{وَمَا جعلنَا لبشر من قبلك الْخلد أَفَإِن مت فهم الخالدون (34) كل نفس ذائقة الْمَوْت} بهم فلك دون السَّمَاء، وَيُقَال: يَدُور بهم السَّمَاء، وَالله أعلم؛ وَإِنَّمَا ذكر {يسبحون} وَلم يقل: يسبح على مَا يُقَال لما لَا يعقل؛ لِأَنَّهُ ذكر عَنْهُم مَا يذكر من الْعُقَلَاء، وَهُوَ الجري والسبح، فَذكر على مَا يعقل.
قَوْله تَعَالَى: {وَمَا جعلنَا لبشر من قبلك الْخلد} كَانُوا يَقُولُونَ: نتربص بِمُحَمد ريب الْمنون، فَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا جعلنَا لبشر من قبلك الْخلد} يَعْنِي: أَن الْمَوْت طَرِيق مَعْهُود مسلوك لَا بُد مِنْهُ لكل حَيّ.
وَقَوله: {أَفَإِن مت فهم الخالدون} مَعْنَاهُ: أفهم الخالدون إِن مت؟ وَقد رُوِيَ " أَن النَّبِي لما توفّي دخل أَبُو بكر - رَضِي الله عَنهُ - وَوضع فَمه بَين عَيْنَيْهِ وَيَده على جَانب رَأسه، وَقَالَ: يَا رَسُول الله، طبت حَيا وَمَيتًا، ثمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى: {وَمَا جعلنَا لبشر من قبلك الْخلد أَفَإِن مت فهم الخالدون} وَقد كَانَ عمر يَقُول: إِنَّه لم يمت، فَلَمَّا تَلا أَبُو بكر هَذِه الْآيَة، فَكَأَن النَّاس لم يسمعوا هَذِه الْآيَة إللا ذَلِك الْوَقْت، وأعرضوا عَن عمر (وَقَوله) ، وَعَلمُوا أَنه قد مَاتَ ".
قَوْله تَعَالَى: {كل نفس ذائقة الْمَوْت} قد بَينا من قبل.
وَقَوله: {ونبلوكم بِالشَّرِّ وَالْخَيْر} أَي: بالرخاء والشدة، وَالصِّحَّة والسقم، وبالإشقاء والإسعاد، وَغير ذَلِك مِمَّا يخْتَلف على الْإِنْسَان، وَقيل: بِالشَّرِّ وَالْخَيْر أَي: بِمَا يحبونَ ويكرهون، وَيُقَال: الشَّرّ غَلَبَة الْهوى على الْإِنْسَان، وَالْخَيْر الْعِصْمَة من الْمعاصِي، قَالَه سهل بن عبد الله.

الصفحة 379