كتاب تفسير السمعاني (اسم الجزء: 3)

{أفهم الغالبون (44) قل إِنَّمَا أنذركم بِالْوَحْي وَلَا يسمع الصم الدُّعَاء إِذا مَا ينذرون (45) وَلَئِن مستهم نفحة من عَذَاب رَبك ليَقُولن يَا ويلنا إِنَّا كُنَّا ظالمين (46) وَنَضَع} التَّأْوِيل أَنه قَالَ: {أفهم الغالبون} أَي: لَيست الْغَلَبَة لَهُم؛ إِنَّمَا الْغَلَبَة لي ولرسولي، وَعَن ابْن جريج قَالَ: مَا ينقص من سَائِر الْأَرْضين يُزَاد فِي الشَّام، وَمَا ينقص من الشَّام يُزَاد فِي أَرض فلسطين، وَبهَا الْمَحْشَر. وَقَالَ عِكْرِمَة: لَو نقص من الأَرْض مَا وجد أحد مَكَانا يقْعد فِيهِ، وَلَكِن المُرَاد من الْآيَة ذهَاب خِيَارهَا وعلماؤها، وَيُقَال: هُوَ موت أَهلهَا، وَقيل: خرابها.
قَوْله تَعَالَى: {قل إِنَّمَا أنذركم بِالْوَحْي} أَي: بِالْقُرْآنِ.
وَقَوله: {وَلَا يسمع الصم الدُّعَاء} وقرىء: " لَا يسمع الصم الدُّعَاء "، وَقَرَأَ عبد الرَّحْمَن المقرىء: " لَا تسمع الصم الدُّعَاء "، وَأما الْمَعْرُوف هُوَ ظَاهر الْمَعْنى، والصم هم الْكفَّار، وَسَمَّاهُمْ صمًّا، لأَنهم لم يسمعوا مَا يَنْفَعهُمْ.
وَقَوله: {إِذا مَا ينذرون} أَي: يخوفون بِالْوَحْي.
قَوْله تَعَالَى: {وَلَئِن مستهم نفحة} النفحة هِيَ: الدفعة الْيَسِيرَة، تَقول الْعَرَب: نفح فلَان بِالسَّيْفِ على هَذَا الْمَعْنى، وَهِي بِخِلَاف ... والنفخة لَا بُد فِيهَا من خُرُوج الرّيح من الْخَوْف، وَمعنى {وَلَئِن مستهم نفحة} أَي: طرف من عَذَاب رَبك، وَقيل: أدنى شَيْء من عَذَاب رَبك.
وَقَوله: {ليَقُولن يَا ويلنا إِنَّا كُنَّا ظالمين} مَعْنَاهُ: يَا هلاكنا، إِنَّا كُنَّا مُشْرِكين، كَأَنَّهُمْ أقرُّوا على أنفسهم بِاسْتِحْقَاق الْعقُوبَة.
قَوْله تَعَالَى: {وَنَضَع الموازين الْقسْط} مَعْنَاهُ: ذَوَات الْقسْط، والقسط، الْعدْل، وَفِي الْمَشْهُور فِي الْأَخْبَار: أَن الْمِيزَان لَهُ لِسَان وكفتان، وَفِي بعض الْمَأْثُور: أَن دَاوُد - عَلَيْهِ السَّلَام - قَالَ: يَا رب: أَرِنِي الْمِيزَان الَّذِي يُوزن بِهِ أَعمال الْعباد، فَأرَاهُ إِيَّاه،

الصفحة 383