كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى (اسم الجزء: 3)

ارتحل من ساحة تونس يُرِيد الْعَرَب فوافاهم بالموضع الْمَعْرُوف بالتينة بَين بسيط تونس وبسيط القيروان فأجفلوا أَمَامه فأتبعهم وألح عَلَيْهِم إِلَى أَن وصلوا إِلَى القيروان فَلَمَّا رَأَوْا أَن لَا ملْجأ لَهُم مِنْهُ عزموا على الثَّبَات لَهُ وتحالفوا على الإستماتة وَكَانَ عَسْكَر السُّلْطَان أبي الْحسن يَوْمئِذٍ مشحونا بأعدائه من بني عبد الواد المغلوبين على ملكهم ومغراوة وَبني توجين وَغَيرهم فدسوا إِلَى الْعَرَب أثْنَاء هَذِه المناوشة بِأَن يناجزوا السُّلْطَان غَدا حَتَّى يتميزوا إِلَيْهِم ويجروا عَلَيْهِ الْهَزِيمَة فأجابوهم إِلَى ذَلِك وصبحوا معسكر السُّلْطَان من الْغَد فَركب إِلَيْهِم فِي التعبية وَلما تقابلوا تحيز إِلَيْهِم الْكثير مِمَّن كَانَ مَعَه واختل مصافه فَانْهَزَمَ هزيمَة شنعاء وبادر الى القيروان فَدَخلَهَا فِيمَن مَعَه من الفل مستجيرا بهَا ودافع عَنهُ أَهلهَا وتسابقت الْعَرَب إِلَى مُعَسْكَره فانتهبوه بِمَا فِيهِ من الْمضَارب وَالْعدَد والآلات ودخلوا فسطاط السُّلْطَان فاستولوا على ذخيرته وَالْكثير من حرمه وَأَحَاطُوا بالقيروان وزحفت إِلَيْهَا حللهم فدارت بهَا سياجا وَاحِدًا وتعاوت ذئابهم بأطراف الْبِقَاع وأجلب ناعق الْفِتْنَة مِنْهُم بِكُل قاع واضطرمت إفريقية نَارا وَكَانَت الْهَزِيمَة يَوْم الْإِثْنَيْنِ سَابِع محرم من سنة تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَبلغ الْخَبَر إِلَى تونس وَكَانَ السُّلْطَان قد خلف بهَا عِنْد رحيله الْكثير من أبنائه وَحرمه ووجوه قومه وأمناء بَيت مَاله وَبَعض الْحَاشِيَة من جنده فَتَحَصَّنُوا بالقصبة وأحاط بهم الغوغاء كي يستنزلوهم عَنْهَا فامتنعوا عَلَيْهِم وَكَانُوا بهَا أملك مِنْهُم وَكَانَ الْأَمِير أَبُو سَالم إِبْرَاهِيم بن السُّلْطَان أبي الْحسن قد جَاءَ من الْمغرب فِي هَذَا التَّارِيخ فوافاه الْخَبَر قرب القيروان فانفض مُعَسْكَره وَرجع إِلَى تونس فَكَانَ مَعَهم فِي القصبة ثمَّ نزع أَبُو مُحَمَّد بن تافراجين عَن السُّلْطَان أبي الْحسن وَكَانَ محصورا مَعَه بالقيروان وَكَانَ قد سئم صحبته ومل خدمته لِأَنَّهُ كَانَ أَيَّام حجابته للسُّلْطَان الحفصي مستبدا عَلَيْهِ مفوضا إِلَيْهِ فِي جَمِيع أُمُوره فَلَمَّا استوزره السُّلْطَان أَبُو الْحسن لم يجره على تِلْكَ الْعَادة لِأَنَّهُ كَانَ قَائِما على أُمُوره بِنَفسِهِ وَلَيْسَ التَّفْوِيض للوزراء من شَأْنه وَكَانَ ابْن تافراجين يظنّ أَنه سيوكل إِلَيْهِ أَمر إفريقية وَينصب مَعَه لملكها الْفضل ابْن السُّلْطَان أبي بكر شَقِيق زَوجته وَرُبمَا زَعَمُوا أَنه عاهده على ذَلِك
وقْعَة زَاوِيَة الشرادي وَمَا جرى فِيهَا على السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله

هَؤُلَاءِ الشراردة أصلهم من عرب معقل من الصَّحرَاء وهم طوائف زُرَارَة والشبانات وهم الخلص مِنْهُم ويضاف لَهُم بعض أَوْلَاد دليم وتكنة وذوو بِلَال وَغَيرهم وَكَانَت مَنَازِلهمْ فِي دولة السُّلْطَان الْأَعْظَم سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله غربي مراكش على بعض يَوْم مِنْهَا فَنَشَأَ فيهم الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس الشرادي من أهل الصّلاح زمن أَصْحَاب الشَّيْخ سَيِّدي أَحْمد بن نَاصِر الدرعي فاعتقدوه وَرُبمَا ناله بعض الْإِحْسَان من السُّلْطَان الْمَذْكُور ثمَّ نَشأ ابْنه السَّيِّد أبي مُحَمَّد بن أبي الْعَبَّاس فَجرى مجْرى أَبِيه وَبنى الزاوية المنسوبة إِلَيْهِم واعتقده قومه أَيْضا بل وَغَيرهم
فقد ذكر صَاحب نشر المثاني أَن السَّيِّد مُحَمَّدًا هَذَا لما قدم من الْحَج سنة سبع وَسبعين وَمِائَة وَألف اجتاز بِمَدِينَة فاس فَاجْتمع عَلَيْهِ نَاس مِنْهَا وتلمذوا لَهُ وبنوا لَهُ زَاوِيَة بدرب الدرج من عدوة الأندلس وَأثْنى عَلَيْهِ وعَلى أَبِيه فَانْظُرْهُ ثمَّ جَاءَ ابْنه الْمهْدي بن مُحَمَّد فسلك ذَلِك المسلك أَيْضا وَنَشَأ فِي دولة السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رَحمَه الله وَاتخذ شَيْئا من كتب الْعلم من غير أَن يكون لَهُ فِيهِ يَد تعْتَبر ثمَّ تظاهر بِمَعْرِِفَة السيميا والحدثان فازداد ناموسه وَتمكن من جهلة قومه وَرُبمَا نمى شَيْء من أمره إِلَى السُّلْطَان فتغافل عَنهُ ثمَّ لما قدم السُّلْطَان رَحمَه الله مراكش هَذِه الْمرة وجد أمره قد زَاد واستفحل وَكَانَ الشراردة يَوْمئِذٍ قد حسنت حَالهم فأثروا وكثروا وَكَانَ السُّلْطَان قد ولى عَلَيْهِم رجلا مِنْهُم اسْمه قَاسم الشرادي فَحدث بَينه وَبَين الْمهْدي مَا يحدث بَين المرابطين وأرباب الْولَايَة وَكَانَ رُبمَا التجأ جَان إِلَى زَاوِيَة الْمهْدي فَيقبض عَلَيْهِ الْقَائِد ويخرجه مِنْهَا فاستحكمت الْعَدَاوَة بَين الْقَائِد وَبَين الْمهْدي ثمَّ جرى شنآن بَين الْمهْدي وَبَين بعض قرَابَته ففر ذَلِك الْقَرِيب إِلَى مراكش وَكَانَ الْقَائِد قَاسم بهَا فَشَكا إِلَيْهِ عَمه الْمهْدي فاغتنمها
وإعلانا وأبقينا طَائِفَة من جيشنا السعيد عِنْد قبائل الرِّيف زِيَادَة فِي الاطمئنان والتأليف بِقصد اسْتِيفَاء مَا بذممهم من الْوَاجِب واستخلاص مَا تعلق بهم من الْحُقُوق الَّتِي ألزموها ضَرْبَة لازب وَذَلِكَ كُله من تيسير الله ورفده وفضله على عَبده فَمَا النَّصْر إِلَّا من عِنْده فَأَما نَحن فَلَا حول لنا وَلَا قُوَّة وَلَا أنصار مرجوة وَلَا نعتمد على عدَّة وَلَا عدد بل على فَضله تَعَالَى الْمعول وَالْمُعْتَمد عرفنَا الله حق النِّعْمَة وألهمنا شكرها وحمدها وأجرانا على عوائده الجميلة وفوائده الجليلة الَّتِي لَا يقدر قلم الواصف أَن يدْرك حصرها وَحدهَا وَقد اقْتضى نَظرنَا العالي بِاللَّه إعلامكم بذلك لِتَأْخُذُوا حظكم من الْفَرح بتأييد الله وَنَصره وتخلصوا فِي حمد نعمه الجزيلة وشكره وَالسَّلَام فِي السَّادِس وَالْعِشْرين من رَمَضَان عَام ثَلَاثَة وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف اه اسْتمرّ السُّلْطَان أعزه الله مُقيما بفاس وجد فِي بِنَاء مقاصيره ومنتزهاته ببستان آمِنَة من فاس الْجَدِيد وَكتب أيده الله إِلَى وصيفه أَحْمد بن مَالك قَائِد الْجَيْش السُّوسِي بالمنشية من حَضْرَة مراكش أَن بيني لَهُ على الْبَاب الْمَعْرُوف بِبَاب الرئيس من الدَّار الْكُبْرَى بالحضرة المراكشية قبَّة فارهة ويبالغ فِي رَفعهَا وتنجيدها وتنميقها فشرع فِيهَا فِي شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة وَكُنَّا يَوْمئِذٍ نتولى إحصاء صائرها وصائر غَيرهَا من البناءات المراكشية فَكَانَ مَا صير على الْقبَّة وَحدهَا أَكثر من مائَة ألف مِثْقَال وَكَذَلِكَ بنى بمكناسة الْقبَّة الْعَظِيمَة الَّتِي طاولت السَّمَاء ترفعا وَذَهَبت فِي الجو صعدا بِحَيْثُ أشرفت على مَا حولهَا من بسيط سائس وَغَيره حَتَّى صَارَت مثلا فِي الطول والاشتهار وَبنى أعزه الله قبَّة عَظِيمَة حفيلة على ضريح الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أبي عبد الله سَيِّدي مُحَمَّد الصَّالح ابْن الْمُعْطِي الشرقاوي بِأبي الْجَعْد فصير عَلَيْهَا أَكثر من ثَلَاثِينَ ألف مِثْقَال تقبل الله مِنْهُ
وَفِي عَاشر شَوَّال من هَذِه السّنة أَعنِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة الناسك قَاضِي رِبَاط الْفَتْح أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن ابْن الْفَقِيه الْعَلامَة السَّيِّد أَحْمد بن التهامي البريبري وَدفن بزاوية حنصالة من الْبَلَد الْمَذْكُور وَكَانَ رَحمَه الله من أمثل قُضَاة الْوَقْت وَمن المتحريين للعدل ولي

الصفحة 160