كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى (اسم الجزء: 3)
أبي الْحسن ثمَّ رجعُوا عَن ذَلِك وثاروا على عاملهم عبد الله بن عَليّ بن سعيد من طبقَة الوزراء فقبضوا عَلَيْهِ وقادوه إِلَى أبي عنان مبايعين لَهُ متقربين بِهِ إِلَيْهِ وَتَوَلَّى كبر ذَلِك فيهم زعيمهم الشريف أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن رَافع الصّقليّ من آل الْحُسَيْن السبط رَضِي الله عَنهُ كَانَ سلفه قد انتقلوا من صقلية إِلَى سبتة فاستوطنوها ثمَّ استوطنوا بعْدهَا حَضْرَة فاس واستوسق للأمير أبي عنان ملك الْمغرب وَاجْتمعَ إِلَيْهِ قومه من بني مرين إِلَّا من أَقَامَ مَعَ أَبِيه بتونس وَفَاء بِحقِّهِ وحص جنَاح أَبِيه عَن الكرة على بني كَعْب النَّاكِثِينَ لعهده الناكبين عَن طَاعَته فَأَقَامَ السُّلْطَان أَبُو الْحسن رَحمَه الله بتونس يَرْجُو الْأَيَّام ويأمل الكرة والأطراف تنْتَقض والخوارج تتجدد وَقَنطَ من كَانَ مَعَه من حَاشِيَته وسئموا الْمقَام بِأَرْض لَيست لَهُم بدار مقَام فحسنوا لَهُ النهوض إِلَى الْمغرب فأسعفهم وعزم على الرحلة كَمَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله وَفِي هَذِه الْمدَّة كتب إِلَيْهِ السُّلْطَان أَبُو الْحجَّاج يُوسُف بن الْأَحْمَر كتابا من إنْشَاء وزيره لِسَان الدّين ابْن الْخَطِيب يسائله عَن أَحْوَاله ويعزيه عَن مصابه ويتأسف لَهُ وَنَصّ الْكتاب الْمقَام الَّذِي أقمار أسعده فِي انتظام واتساق وجياد عزه الى الْغَايَة القصوى ذَات استباق والقلوب على حبه ذَات اتِّفَاق وعناية الله تَعَالَى عَلَيْهِ مديدة الرواق وأياديه الجمة فِي الْأَعْنَاق ألزم من الأطواق وَأَحَادِيث مجده سمر النوادي وَحَدِيث الرفاق مقَام مَحل أَبينَا الَّذِي شَأْن قُلُوبنَا الاهتمام بِشَأْنِهِ وَأعظم مطلوبنا من الله تَعَالَى سَعَادَة سُلْطَانه السُّلْطَان الكذا ابْن السُّلْطَان الكذا إِبْنِ السُّلْطَان الكذا أبقاه الله تَعَالَى والصنائع الإلهية تحط بِبَابِهِ والألطاف الْخفية تعرس فِي جنابه والنصر الْعَزِيز يحف بركابه وَأَسْبَاب التَّوْفِيق مُتَّصِلَة بأسبابه والقلوب الشجية لفراقه مسرورة باقترابه مُعظم سُلْطَانه الَّذِي لَهُ الْحُقُوق المحتومة والفواضل الْمَشْهُورَة الْمَعْلُومَة والمكارم المسطورة المرسومة والمفاخر المنسوقة الْمَنْظُومَة الدَّاعِي إِلَى الله تَعَالَى فِي وقاية ذَاته المعصومة وحفظها على هَذِه الْأمة المرحومة الْأَمِير عبد الله يُوسُف بن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد إِسْمَاعِيل بن فرج بن نصر سَلام كريم طيب عميم
بَين أخوالي وَأهل فاس أخوة بحول الله لَا تنفصم يَرِثهَا الْأَبْنَاء عَن الْآبَاء وأوصي الْجَمِيع بِمَا أوصى الله بِهِ الْأَوَّلين {وَلَقَد وصينا الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ وَإِيَّاكُم أَن اتَّقوا} النِّسَاء 131 {وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا وَاتَّقوا الله} الْحَشْر 7 وبسنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعدِي عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ وَلنْ تزَال هَذِه الْأمة بِخَير مَا أخذُوا بِكِتَاب الله وَقد عهِدت لِابْنِ أخي مولَايَ عبد الرَّحْمَن بن هِشَام ورجوت الله أَن يكون لي فِي هَذَا الْأَمر مثل مَا لِسُلَيْمَان بن عبد الْملك فِي عَهده لعمر بن عبد الْعَزِيز {إِنَّا نَحن نحيي الْمَوْتَى ونكتب مَا قدمُوا وآثارهم} يس 12 من سنّ سنة حَسَنَة فَلهُ أجرهَا وَأجر من عمل بهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَقد انْعَقَد الْإِجْمَاع على عقد الْبيعَة بالعهد وَالْقَاضِي والفقيهان يبينون لكم هَذَا {فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول} النِّسَاء 59 وَإِنِّي أشهد الله أَنِّي مقرّ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة لعبد الله عبد الرَّحْمَن بن هِشَام وببيعته أَلْقَاهُ وَقد أدّيت لأمة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا عَليّ من النَّصِيحَة وأرجوا الله أَن يثيبني بِهَذِهِ النِّيَّة الصَّحِيحَة وَهُوَ المطلع على مَا فِي الضمائر والعالم بالسرائر وَالسَّلَام وَفِي رَابِع ربيع النَّبَوِيّ عَام ثَمَانِيَة وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف اه
ثمَّ تَمَادى بالسلطان رَحمَه الله مَرضه إِلَى أَن توفّي ثَالِث عشر ربيع الأول وَهُوَ الثَّانِي من عيد المولد الْكَرِيم من السّنة الْمَذْكُورَة وَمَات رَحمَه الله ثَابت الذِّهْن صَحِيح الميز على غَايَة من الْيَقِين والفرح بلقاء ربه وَدفن بضريح جده الْمولى عَليّ الشريف بِبَاب آيلان من مراكش وَقد رثاه جمَاعَة من أدباء الْعَصْر من ذَلِك قَول الْفَقِيه الأديب الْكَاتِب البليغ أبي عبد الله مُحَمَّد بن إِدْرِيس الفاسي
(نبأ عرى أَوْهَى عرى الْإِيمَان ... وَأَبَان حسن الصَّبْر عَن إِمْكَان)
(شقَّتْ لموقعه الْقُلُوب وزلزلت ... أَرض النُّفُوس ورج كل مَكَان)
الخطابة بِالْمَسْجِدِ بعد شَيخنَا الْمَذْكُور شقيقه الْفَقِيه أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد عواد وَهُوَ مجيد فِي الخطابة وَمن أهل الْمُرُوءَة وَالدّين وَالْعلم وفقنا الله وإياه وَالْمُسْلِمين لما يُحِبهُ ويرضاه وَفِي هَذِه الْأَيَّام استدعى السُّلْطَان أيده الله خديمه الْأمين الأرضى السَّيِّد مُحَمَّد بن الْحَاج مُحَمَّد التازي الرباطي إِلَى حَضرته الْعَالِيَة بِاللَّه بمراكش فَقدم عَلَيْهِ الْأمين الْمَذْكُور وَأجل السُّلْطَان مقدمه وَأسْندَ إِلَيْهِ أَمر خراج الْمغرب ومراسيه ومستفاداتها وَمَا يتبع ذَلِك من صوائرها وفوض إِلَيْهِ فِي ذَلِك تفويضا تَاما لعلمه بنصحه وأمانته وَضَبطه وَهَذَا الرجل من أمثل أهل الْمغرب وأصدقهم وأنصحهم للسُّلْطَان وأشدهم غيرَة على الدّين والوطن حَتَّى لَو كَانَ فِي الدولة عشرَة رجال على شاكلته ومذهبه لَكَانَ يظنّ أَن يكون لَهَا بذلك النجاح التَّام نسْأَل الله تَعَالَى أَن يصلح أمرهَا ويشيد بمنه عزها وَفَخْرهَا وَفِي ربيع الثَّانِي من السّنة ورد أَمر السُّلْطَان أعزه الله على وُلَاة العدوتين أَن يوجهوا عددا من أمنائهم وعدولهم للْخدمَة السُّلْطَانِيَّة بالمراسي المغربية فقدموا عَلَيْهِ بمراكش وَكَانَ فِي جُمْلَتهمْ أخونا فِي الله الْفَقِيه الْعَلامَة الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن الْهَاشِمِي بن خضراء السلاوي فَقَالَ قصيدة فِي مدح السُّلْطَان نَصره الله نَصهَا
(لبيْك لبيْك يَا خير السلاطين ... أدامك الله فِي عز وتمكين)
(دَعَوْت عَبدك فَاسْتَجَاب مبتدرا ... وَقد اناخ على الطير الميامين)
(يهدي إِلَيْك تَحِيَّة مباركة ... أذكى وَأطيب من مسك ونسرين)
(ممرغا وجنتيه فارحا جذلا ... إِذا فَازَ مِنْك بتخصيص وَتَعْيِين)
(مؤملا راجيا بُلُوغ مقْصده ... مُسْتَبْشِرًا برضى بالنجح مقرون)
(يَا نجح سعيي وَيَا بشراي قد سعدت ... حَالي وفزت بتقريب وتأمين)
(من مبلغ معشري أَنِّي أويت إِلَى ... ظلّ مديد يُظِلنِي ويؤويني)
(ظلّ الْإِلَه على عباده وَكفى ... بِهِ كَفِيلا وذخرا للْمَسَاكِين)
(رب السماح فَمَا معن بن زَائِدَة ... وَأَيْنَ من راحتيه نهر سيحون)
(لله من ملك جلت مآثره ... عَن أَن يُحِيط بهَا حصر بتدوين)
(دَعَا الْمَعَالِي فانقادت ملبية ... يضيق عَن وصفهَا بطن الدَّوَاوِين)
الصفحة 166