كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى (اسم الجزء: 3)
حُدُوث الْفِتْنَة بَين السُّلْطَان يَعْقُوب وَابْن الْأَحْمَر وَمَا نَشأ عَن ذَلِك من حِصَار الجزيرة الخضراء وَغير ذَلِك
قد تقدم لنا أَن بَنو اشقيلولة كَانُوا أصهارا لِابْنِ الْأَحْمَر وانهم لما قدمُوا على السُّلْطَان يَعْقُوب بالجزيرة الخضراء فِي جَوَازه الأول صدرت من ابْن اشقيلولة كَلِمَات أحفظت ابْن الْأَحْمَر وغاظته فَذهب لأَجلهَا مغاضبا وانحرف عَن السُّلْطَان يَعْقُوب وَلم يشْهد مَعَه الْغَزْو وَلَا عرج على الْجِهَاد وَلما نصر الله السُّلْطَان يَعْقُوب على عدوه وَقتل العلج وَبعث بِرَأْسِهِ إِلَى ابْن الْأَحْمَر طيبه وَبَعثه إِلَى قومه انحرافا عَن السُّلْطَان وموالاة لِلْعَدو وَلما جَازَ السُّلْطَان يَعْقُوب الْجَوَاز الثَّانِي انقض عَنهُ ابْن الْأَحْمَر وَلم يلقه حَتَّى خاطبه السُّلْطَان واستنفره إِلَى الْجِهَاد فَلحقه بشدونة كَمَا مر وَلما صنع الله للسُّلْطَان مَا صنع من الظُّهُور والعز الَّذِي الَّذِي لَا كفاء لَهُ وَاسْتولى على مالقة من يَد ابْن اشقيلولة ارتاب ابْن الْأَحْمَر بمكانه وَظن بِهِ الظنون وتخوف مِنْهُ مَا كَانَ من يُوسُف بن تاشفين للمعتمد بن عباد وَغَيره من مُلُوك الطوائف فغص بمكانه وأظلم الجو بَينهمَا ودارت بَينهمَا مخاطبات شعرية على أَلْسِنَة الْكتاب فِي معنى العتاب وَلم تزل القوارص بَين السلطانين تجْرِي وعقارب السّعَايَة تدب وتسري وَخَوف ابْن الْأَحْمَر على ملكه يشْتَد وَيزِيد وأواصر الْأُخوة الإسلامية تتلاشى وتبيد إِلَى أَن استحكمت الْبغضَاء وضاق بَينهمَا رحب الفضاء فَفَزعَ ابْن الْأَحْمَر إِلَى مداخلة الطاغية فِي شَأْنه واتصال يَده بِيَدِهِ وحبله بحبله وَأَن يعود إِلَى منزله أَبِيه مَعَه من ولَايَته ليدافع بِهِ السُّلْطَان يَعْقُوب وَقَومه عَن أرضه ويأمن مَعَه من زَوَال سُلْطَانه فاغتنم الطاغية هَذِه الفرصة ونكث عهد السُّلْطَان يَعْقُوب وَنقض السّلم واعلن بِالْحَرْبِ وأغزا أساطيله الجزيرة الخضراء حَيْثُ كَانَت مسالح السُّلْطَان يَعْقُوب وَجُنُوده وأرست بالزقاق حَيْثُ فراض الْمجَاز وانقطعت عَسَاكِر السُّلْطَان وَرَاء الْبَحْر وَحَال الْعَدو بَينهم وَبَين إغاثته إيَّاهُم واتصلت يَد ابْن الْأَحْمَر بيد الطاغية واتفقا على منع السُّلْطَان يَعْقُوب من عبور
كَانُوا حَالا ثمَّ بدا لَهُ فيهم فَبعث عبيد السوس إِلَى تارودانت وَعبيد حاحة والشبانات إِلَى الصويرة وَعبيد السراغنة وتادلا ودمنات إِلَى تيط الْفطر وَعبيد دكالة إِلَى آزمور وَعبيد الشاوية إِلَى آنفي وَعبيد زعير والدغماء إِلَى المنصورية وَعبيد بني حسن إِلَى المهدية وَأبقى مَعَه بمراكش عبيد سُفْيَان وَبني مَالك والخلط وطليق والمسخرين من أَصْحَاب الْعَبَّاس
وَكَانَ قيام هَؤُلَاءِ العبيد سَببا لافتراق الْكَلِمَة وانحلال نظام الْملك بالمغرب وسرى فسادهم فِي الْقَبَائِل كلهَا عربا وبربرا وَكثر الْهَرج وانحبس الْمَطَر وَوَقع الْقَحْط وعظمت المجاعة وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك نَحوا من سبع سِنِين من سنة تسعين إِلَى سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَة وَألف فَكَانَت هَذِه الْمدَّة كلهَا مجاعَة أكل النَّاس فِيهَا الْميتَة وَالْخِنْزِير والآدمي وفنى أَكْثَرهم جوعا وَالسُّلْطَان فِي ذَلِك كُله يكابد المشاق الْعِظَام وَيصير على الْجنُود الْأَمْوَال الثقال راتبا بعد راتب وَعَطَاء بعد عَطاء إِلَى أَن خلصوا من المجاعة وصلحت أَحْوَال الْجَمَاعَة وَكَانَ رَحمَه الله قد رتب الْخبز فِي كل مصر يفرق على ضُعَفَائِهِ فِي كل حومة وأسلف الْقَبَائِل الْأَمْوَال الطائلة يقتسمونها على ضعفائهم إِلَى أَن يؤدوها زمَان الخصب والرخاء
وَلما عَاشَ النَّاس وهموا بأدائها سامحهم بهَا وَقَالَ مَا أعطيتهَا بنية الاسترجاع وَإِنَّمَا ذكرت السّلف لِئَلَّا يستبد بهَا الْأَشْيَاخ والأعيان إِذا سمعُوا أَنَّهَا هبة فرحم الله تِلْكَ الهمة الشَّرِيفَة مَا كَانَ أَعْلَاهَا وَأَعْظَمهَا وأرأفها وأرحمها وَأسْقط رَحمَه الله فِي تِلْكَ الْمدَّة جَمِيع الْوَظَائِف والمغارم عَن قبائل الْمغرب إِلَى أَن عاشوا وتمولوا وَكَانَ يُعْطي التُّجَّار الْأَمْوَال ليجلبوا بهَا الأقوات من بر النَّصَارَى فَإِذا وصلت أَمرهم أَن يبيعوها بِثمنِهَا الَّذِي اشْتريت بِهِ رفقا بِالْمُسْلِمين وشفقة على الضُّعَفَاء وَالْمَسَاكِين
وَلما دخلت سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَة وَألف مطر الغرب وعاش النَّاس وحرثوا وَأدْركَ الزَّرْع ورخصت الأسعار وازدهت الدُّنْيَا وَدرت الجبايات وَأخذ أَمِير الْمُؤمنِينَ رَحمَه الله فِي تمهيد الْمغرب ثَانِيَة واستئناف الْعَمَل وَالْجد وَالله غَالب على أمره
(وَمَا عَن رضى مِنْهَا عَطِيَّة أسلمت ... وَلكنهَا قد قادها للهدى الْقَهْر)
(أردنَا بهَا الْإِبْقَاء فازداد عجبها ... وأدبها التَّشْدِيد والفتك والأسر)
وَلَو قيدوا النِّعْمَة بالشكر لأمنوا الزَّوَال {وَإِذا أَرَادَ الله بِقوم سوءا فَلَا مرد لَهُ وَمَا لَهُم من دونه من وَال} الرَّعْد 11 وَالسَّلَام فِي فاتح رَجَب الْفَرد الْحَرَام عَام تِسْعَة وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَألف اه نَص الْكتاب الشريف
انْتِقَاض الْهُدْنَة مَعَ الفرنسيس وتمحيص الْمُسلمين بإيسلي قرب وَجدّة وَالسَّبَب فِي ذَلِك
كَانَت الْهُدْنَة معقودة بَين هَذِه الدولة الشَّرِيفَة وَبَين جنس الفرنسيس من لدن دولة السُّلْطَان الْأَعْظَم سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله رَحمَه الله وَلما حدث الشنآن بَين ترك الجزائر والفرنسيس وَاسْتولى الفرنسيس على ثغورهم جَاءَ أهل تلمسان إِلَى السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن رَحمَه الله راغبين فِي بيعَته وَالدُّخُول فِي طَاعَته فقبلهم بعد التَّوَقُّف والمشاورة كَمَا مر وَلما أعرى جَيش السُّلْطَان تلمسان وَاجْتمعَ أهل ذَلِك الْقطر على الْحَاج عبد الْقَادِر محيي الدّين تَحت كلمة السُّلْطَان بر بِهِ وَأحسن إِلَيْهِ وقاوم الفرنسيس بِتِلْكَ الْبِلَاد أَشد المقاومة إِلَّا أَن فَائِدَة حربه كَانَت تظهر فِي قتل النُّفُوس واستلاب الْأَمْوَال وَفَائِدَة حَرْب الفرنسيس كَانَت تظهر فِي انتقاص الأَرْض والاستيلاء عَلَيْهَا وشتان مَا بَينهمَا
وَلما كَانَت سنة تسع وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَألف تمّ اسْتِيلَاء الفرنسيس على جَمِيع بِلَاد الْمغرب الْأَوْسَط وَصَارَ الْحَاج عبد الْقَادِر يتنقل فِي أطرافها فَتَارَة بالصحراء وَتارَة ببني يزناسن وَتارَة بوجدة والريف وَغير ذَلِك وَرُبمَا استكثر فِي هَذِه التنقلات بِمن هُوَ من رعية السُّلْطَان أَو جنده فَمد الفرنسيس يَده إِلَى إيالة السُّلْطَان رَحمَه الله فشن الْغَارة على بني يزناسن وعَلى وَجدّة وأعمالها الْمرة بعد الْمرة ثمَّ اقتحم وَجدّة على حِين غَفلَة من أَهلهَا وانتهبها وَكثر عيثه
الصفحة 49