كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى (اسم الجزء: 3)
خَمْسَة وَأَرْبَعين أسطولا واستنفر كَافَّة أهل بَلَده من المحتلم إِلَى الشَّيْخ فَرَكبُوا الْبَحْر أَجْمَعُونَ وَلم يبْق بسبتة إِلَّا النِّسَاء والشيوخ وَالصبيان وَرَأى ابْن الْأَحْمَر مَا نزل بِأَهْل الجزيرة وإشراف الطاغية على أَخذهَا فندم على ممالاته إِيَّاه وَأعد أساطيل سواحله من الْمنْكب والمرية ومالقة فَكَانَت اثْنَي عشر أسطولا فبعثها مدَدا للْمُسلمين وَقدم من بادس وسلا وآنفى خَمْسَة عشر أسطولا فَنَهَضَ فِي الْوَقْت اثْنَان وَسَبْعُونَ أسطولا وَاجْتمعت كلهَا بمرفأ سبتة وَقد أخذت بطرفي الزقاق فِي أحفل زِيّ وأكمل استعداد ثمَّ تقدّمت إِلَى طنجة ليراها الْأَمِير يُوسُف فشاهدها وسر بهَا وَعقد لَهُم رايته مَعَ جمَاعَة من أبطال بني مرين رَغِبُوا فِي الْجِهَاد
ثمَّ أقلعت الأساطيل عَن طنجة ثامن ربيع الأول سنة ثَمَان وَسبعين وسِتمِائَة وانتشرت قلوعهم فِي الْبَحْر فأجازوه وَبَاتُوا لَيْلَة المولد الْكَرِيم بمرفأ جبل الْفَتْح وصبحوا الْعَدو وأساطيله يَوْمئِذٍ تناهز أَرْبَعمِائَة فتظاهر الْمُسلمُونَ فِي دروعهم وأسبغوا من شكتهم وَأَخْلصُوا لله عزائمهم وتنادوا بِالْجنَّةِ وشعارها وَوعظ خطباؤهم وَذكر صلحاؤهم والتحم الْقِتَال وَنزل الصَّبْر فَلم يكن إِلَّا كلا وَلَا حَتَّى نضحوا الْعَدو بِالنَّبلِ ففسدت أفروطتهم واختل مَصَافهمْ وانكشفوا وتساقطوا فِي عباب الْبَحْر فاستلحمهم السَّيْف وغشيهم اليم وَاسْتولى الْمُسلمُونَ على أساطيلهم فملكوها وأسروا قائدها الملند فِي جمَاعَة من حَاشِيَته وَاسْتمرّ مثقفا بفاس حَتَّى فر بعد ذَلِك وسر الْمُسلمُونَ الَّذين بداخل الجزيرة بِفساد أفروطة الْعَدو وهلاكها
وَلما رأى عَسْكَر الطاغية الَّذِي فِي الْبر مَا أصَاب أهل الْبَحْر مِنْهُم من الْقَتْل والأسر داخلهم الرعب وخافوا من هجوم الْأَمِير يُوسُف عَلَيْهِم إِذْ كَانَ مُقيما بساحل طنجة مستعدا للعبور فقوضوا أبنيتهم وأفرجوا عَن الْبَلَد لحينهم وانتشر الْمُسلمُونَ وَالنِّسَاء وَالصبيان بِسَاحَة الْبَلَد كَأَنَّمَا نشرُوا من قبر وغلبت مُقَاتلَتهمْ كثيرا من عَسْكَر الْعَدو على مَتَاعهمْ فغنموا من الْحِنْطَة والإدام
فِي غير ركب بل أفرده عَنهُ وأصحبه أَمينا يصير عَلَيْهِ وأناسا قليلين يكونُونَ فِي خدمته دفعا لغائلته ثمَّ سَافر السُّلْطَان إِلَى سجلماسة برسم زِيَارَة تربة جده الْمولى عَليّ الشريف رَضِي الله عَنهُ وحسم دَاء عَمه الْمولى حسن وشيعته وَلما شَارف السُّلْطَان تافيلالت قدم أَمَامه أَبَا الْقَاسِم الصياني لإِخْرَاج البربر من قصورهم فِي الْأمان وَإِن كَانَ عِنْدهم مَا يثقلهم من زرع أَو تمر يعطيهم ثمنه لينقطع بذلك عذرهمْ وَإِن أَقَامُوا حَتَّى أدركهم السُّلْطَان بهَا فَإِنَّمَا إثمهم على أنفسهم فامتثل البربر الْأَمر وَخَرجُوا إِلَى الصَّحرَاء وَلم يَأْتِ السُّلْطَان حَتَّى لم يبْق مِنْهُم أحد بِتِلْكَ الْقُصُور وأفرد الْمولى حسن وانكسرت شوكته ثمَّ بعث إِلَيْهِ أَبَا الْقَاسِم الصياني أَيْضا يعرض عَلَيْهِ السُّكْنَى بمكناسة وَينفذ لَهُ مَا يَكْفِيهِ من الظّهْر لحمل عِيَاله وأثقاله قَالَ الصياني فَذَهَبت إِلَيْهِ وباشرت أمره إِلَى أَن أجَاب وَمن الْغَد سرت بِهِ إِلَى مكناسة وَأَمرَنِي السُّلْطَان أَن أعْطِيه دَارا يسكنهَا ورتب لَهُ ثَلَاثمِائَة مِثْقَال لكل شهر ينفقها على نَفسه وَعِيَاله وَأَمرَنِي مَعَ ذَلِك إِذا فرغت من شَأْن عَمه الْمَذْكُور أَن أصحب معي أَوْلَاده الثَّلَاثَة الْمولى سُلَيْمَان وَالْمولى حسن وَالْمولى حُسَيْن وَأَن أصحب مَعَهم قدرا من المَال وعددا من المدافع والمهاريس والبنب وَطَائِفَة من الطبجية من علوج اللمان وألفا من عَسْكَر الثغور رِجَاله لجر تِلْكَ المدافع والمهاريس قَالَ فَقضيت الْغَرَض على مَا يَنْبَغِي وعدت إِلَيْهِ وَهُوَ بسجلماسة بِجَمِيعِ مَا أَمرنِي بِهِ فَبَلغنَا وَنحن أثْنَاء الطَّرِيق وَفَاة ولد السُّلْطَان وخليفته بفاس الْمولى عَليّ بن مُحَمَّد وَكَانَ من سادة العلويين ونجبائهم وَمن أهل الْمُرُوءَة والأوصاف المحمودة عقلا وعلما وأدبا وكرما وعلو همة
زَاد فِي الْبُسْتَان وَكَانَ مَجْلِسه مجمع الْفُضَلَاء والأدباء والنبلاء يتشبه بأخلاق الْمولى مُحَمَّد الْعَالم ابْن الْمولى إِسْمَاعِيل فِي كرمه وأدبه وَكَانَ لَهُ اعتناء كَبِير بنسخ كتب الْعلم الغريبة وَكتب الْأَدَب وَكَانَ كثيرا مَا يبْعَث بأشعاره
فِي الرحيل فَأمر الْخَلِيفَة رَحمَه الله النَّاس بالركوب والاستعداد وَأَن لَا يبْقى بالمحلة إِلَّا الرُّمَاة وَكَانُوا دون الْألف وَبعث إِلَى بني يزناسن بالركوب فَرَكبُوا فِي أُلُوف كَادَت تَسَاوِي جَيش الْخَلِيفَة وَصَارَت الْخَيل نَحْو الْعَدو مصطفة مد الْبَصَر وراياتها تخفق على هَيْئَة عَجِيبَة وترتيب بديع وَكَانَ الْخَلِيفَة سائرا فِي وَسطهمْ ناشرا المظلة على رَأسه رَاكِبًا على فرس أَبيض وَعَلِيهِ طيلسان أرجواني قد تميز بزيه وشارته وَلما تقَارب الجيشان جعلت الفرسان تبرز من الصُّفُوف كَأَنَّمَا تتعجل الْقِتَال فَأمر الْخَلِيفَة رَحمَه الله بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقار وَالسير بسير النَّاس
ثمَّ لما التقى الْجَمْعَانِ وانتشبت الْحَرْب رصد الْعَدو الْخَلِيفَة وقصده بِالرَّمْي مَرَّات عديدة حَتَّى سَقَطت بنبة أَمَام حَامِل المظلة وجمح فرسه بِهِ وَكَاد يسْقط وَلما رأى الْخَلِيفَة ذَلِك غير زيه بِأَن أسقط المظلة ودعا بفرس كميت فَرَكبهُ وَلبس طيلسانا آخر فاختفى حِينَئِذٍ وَكَانَ الْمُسلمُونَ قد أَحْسنُوا دفاع الْعَدو وصدموه صدمة قَوِيَّة برقتْ لَهُم بهَا بارقة وَكَانَت خيلهم تنفر من صَوت المدافع وَلَكنهُمْ كَانُوا يقحمونها إقحاما وثبتوا فِي نحر الْعَدو مِقْدَار سَاعَة وَلما التفتوا إِلَى جِهَة الْخَلِيفَة وَلم يروه بِسَبَب تغير زيه خَشَعت نُفُوسهم وَقَالَ المرجفون إِن الْخَلِيفَة قد هلك فماج النَّاس بَعضهم فِي بعض وتسابق الشراردة إِلَى الْمحلة فعمدوا إِلَى الخباء الَّذِي فِيهِ المَال فانتهبوه وتقاتلوا عَلَيْهِ وتبعهم غَيرهم مِمَّن كَانَ الرعب قد ملك قلبه وَجعل النَّاس يَتَسَلَّلُونَ حَتَّى ظهر الفشل فِي الْجَيْش من كل جِهَة فَتقدم بعض الْحَاشِيَة إِلَى الْخَلِيفَة وَقَالَ لَهُ يَا مَوْلَانَا إِن النَّاس قد انْهَزمُوا وهم الْآن بالمحلة يقتل بَعضهم بَعْضًا ويسلب بَعضهم بَعْضًا فَقَالَ يَا سُبْحَانَ الله والتفت فَرَأى مَا هاله من أَمر النَّاس فَرجع عوده على بدئه وَانْهَزَمَ من كَانَ قد بَقِي مَعَه عَن آخِرهم وتبعهم الْعَدو يَرْمِي الكور والضوبلي من غير فَتْرَة وَثَبت الله بعض الطبجية بالمحلة وَلَكِن سَالَ الْوَادي فطم على الْقرى وَنفذ أَمر الله وَلم يهْزم الْمُسلمين إِلَّا الْمُسلمُونَ كَمَا رَأَيْت وَلما استولى الْعَدو على الْمحلة فر النهاب الَّذين كَانُوا
الصفحة 52