كتاب العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (اسم الجزء: 3)

فإنَّه حديثٌ متَّفقٌ على صحَّته وشهرته في ذلك العصر، وإنَّه ما قدح فيه مِنَ القُدماء أحدٌ، بل قال الذَّهبي في ترجمة عمار مِنَ " النُّبلاء " (¬1): إنَّه حديثٌ متواتر، فأمَّا معاويَةُ، فتأوّله بتأويلِ باطلٍ أنَّ علياً وأصحابه هُمُ الَّذين قتلوه وجاءوا به حتى ألقَوهُ بين رماحنا، رواه أحمد في مسند عمرو بن العاص (¬2)، وقد أجاب عبدُ الله بنُ عمرو بأنَّه يلزمُ أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاتلُ عمِّه حَمْزَةَ، وشهداء بَدْرٍ وأحد، فَأَفْحَمَهُ (¬3).
وأمَّا عمرو، فلم يتأوَّلْهُ، وفزِعَ فزعاً شديداً كما فَزِعَ عندَ موته (¬4).
فمَن نظر إلى القرائن الخاصَّة المقوِّية لِعدم التَّأويل رجَّحها، وأقواها
¬__________
(¬1) 1/ 421.
(¬2) أخرجه أحمد 4/ 199 من طريق عبد الرزاق، وهو في " مصنفه " (20427) عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، قال: لما قتل عمار، دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص فقال: قتل عمار، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " تقتله الفئة الباغية " فقام عمرو بن العاص فزعاً يرجع حتى دخل على معاوية، فقال له معاوية: ما شأنك؟ قال: قُتل عمار، فقال معاوية. قد قُتل عمار، فماذا؟ قال عمرو: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " تقتله الفئة الباغية " فقال له معاوية: دحضت في بولك، أو نحنُ قتلناه؟ إنما قتله علي وأصحابه، جاؤوا به حتى ألقوه بين رماحنا، أو قال: بين سيوفنا. قلت: وإسناده صحيح. وقوله: " دحضت في بولك " أي: زللت وزلقت.
وأخرج أحمد 2/ 164 و206، وابن سعد في " الطبقات " 3/ 253 من طريق يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب، حدثني أسود بن مسعود، عن حنظلة بن خويلد العنبري قال: بينما نحن عند معاوية إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمار، يقول كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال عبد الله بن عمرو: ليطب به أحدكما نفساً لصاحبه، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " تقتله الفئة الباغية "، قال: فقال معاوية: ألا تغني عنا مجنونك يا عمرو، فما بالك معنا؟ قال: إن أبي شكاني إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: " أطعْ أباك حيّاً ولا تعصه " فأنا معكم ولست أقاتل. وإسناده صحيح. و" تغني ": من الإغناء، يريد ألاَّ تصرفه عنا وتكفه.
(¬3) نقل المناوي في " فيض القدير " 6/ 366 عن القرطبي: أن الذي أجاب معاوية هو علي، وقال ابن دحية: وهذا من علي إلزام مفحم لا جواب عنه، ولا اعتراضَ عليه.
(¬4) انظر " صحيح مسلم " (121) كتاب الإيمان، باب: كون الإسلام يهدم ما قبله، وفيه يقول عمرو: ثم ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها.

الصفحة 145