كتاب العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (اسم الجزء: 3)

ووثِقَ بعهدِ سُراقة الذي لَحِقَهُ يومَ هاجر، فدعا عليه حتَّى أعطاه عهدَه ألاَّ أخبر بِهِ (¬1)، وقد مضى من هذا طرفٌ صالح، وسيأتي مستوفى في الوهم الثالث والثلاثين.
وإنَّما قَصَدُوا ما ذكرناه في جمع الحديث وحفظه، لأنَّه أعدلُ الأمور في اجتهادهم، فإنَّهم لو اقتصروا على حفظ المجمع على صحّته وتدوينه للمسلمين دون ما عداه، خافوا أن يضيعَ جمهورُ الحديثِ النَّبويّ، وهذا تساهلٌ في جسيمِ أمرِ الإسلام، ومعظم قواعدِ الدِّينِ، وإن دوَّنوا حديثَ الكذَّابين، وخلطوا الصَّحيحَ بالسَّقيم، أدخلوا في السُّنَّة النبوية ما هي عنه بَرِيَّة، فسلكوا مناهِجَ التَّحرِّي في التَّوسُّط والتَّقَوِّي بالنَّظر في حديث الرَّاوي، وما يَنْفَرِدُ به، وما يُتَابَعُ عليه، وما يُنْكَرُ مِن حديثه، وتتَّبعوا ذلك وأمعنوا فيه، وهو المُسمَّى بالاعتبار في عُلومهم، وبلغوا في ذلِكَ مبلغاً عظيماً أعْجَزَ مَنْ قبلهم مِنَ الأُمَم حتَّى عُدَّ في معجزاتِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ومِن آياته، كما ذكره (¬2) السيد الإمامُ المؤيَّد بالله في كتابه في النبوات، وذكره الجاحظُ (¬3) قبلَه.
¬__________
= غمَسَ يمينَ حلف في آل العاص بن وائل، وهو على دين كفار قريش، فأمِنَاه، فدفَعَا إليه راحلتيهما، وواعداه غارَ ثور بعد ثلاثِ ليال، فأتاهُما براحلتيهما صبيحةَ ليالٍ ثلاثٍ، فارتحلا، وانطلَقَ معهما عامرُ بنُ فُهيرة، والدليلُ الدَّيليُّ، فأخذَ بهم أسفلَ مكة وهو طريقُ الساحل.
وأخرجه البخاري (2264) و (3905) من طريق يحيى بن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، بهذا الإسناد.
(¬1) خبر سراقة أخرجه البخاري (3906)، ومسلم (2009)، وأحمد 1/ 2 - 3، ويعقوب بن سفيان في " المعرفة والتاريخ " 1/ 239 - 241، والبيهقي في " دلائل النبوة " 2/ 483 - 484.
(¬2) في (ب): ذكر.
(¬3) هو أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء الليثي، الملقب بالجاحظ، كبير أئمة الأدب، ورئيس الفرقة الجاحظية من المعتزلة، وصاحب التصانيف في كل فن، =

الصفحة 155