كتاب العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (اسم الجزء: 3)
أبي الحديد في " شرحه " (¬1): إِن أمر المخالفين في ذلك سهلٌ، لأنَّهُ (¬2) خلافٌ في (¬3) عِبارةٍ، ذكرَهُ في شرحِ الخُطبةِ المذكورةِ قبلُ، وأجْلَي من هذا ما (¬4) في خُطَبِ ابنِ الجَوْزي منَ التنْزِيهِ ونفيِ التشبيهِ، وابنُ الجوزيِّ من أئمةِ الحنابلة بالاتفاق، وخطبُه ومواعظُه (¬5) عُمدَتُهم في جُمُعاتِهِم ومَحَافِلِهم، وأنَا أُورِدُ مِنها ما يَشْهَدُ بصحةِ ما ذكرتُه، فمِنْ ذلك قوله في كتابِ " المُدْهِشِ " (¬6) في قولهِ تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ}:
أول: لَيس لَهُ مبتدأ، آخر: جلَّ عن مُنتهي [ظاهر بالدليل باطن بالحجاب] يُثْبِتُهُ العقلُ، ولا يُدرِكُه الحِسُّ، كلُّ مخلوقٍ محصورٌ بحدٍّ، مأسورٌ في سُورِ قُطْرٍ (¬7)، والخالقُ بائنٌ مبايِنٌ يُعْرَفُ بعدمِ مألوفِ التعريفِ، ارتفَعَتْ لعدمِ الشِّبْهِ (¬8) الشُّبَه، إنَّما يَقَعُ الإشكَالُ في وصفِ مَنْ لَه أشكالٌ، وإنَّما تُضْرَبُ الأمثالُ لِمَنْ لَه أمثالٌ، فأمَّا مَنْ لَم يَزَلْ وَلاَ يزالُ (¬9)، فما للحِسِّ معه مجالٌ، عظَمَتُه عَظُمَتْ عَن نيلِ كفِّ الخيالِ، كيفَ يُقَالُ: كَيْفَ والكَيْف في حَقِّهِ مُحالٌ؟ أنَّى تَتَخايَلُهُ الأوْهَامُ وهي
¬__________
(¬1) 3/ 228.
(¬2) تحرفت في (ج) إلى " لا ".
(¬3) سقطت من (ش).
(¬4) في (ش): ما جاء.
(¬5) وهو -وإن كان كما قال الذهبي في " السير " 21/ 367 رأساً في التذكير بلا مدافعة، يقول النظم الرائق، والنثر الفائق بديهاً، ويُسهبُ، وُيعجبُ، ويُطربُ، ويطنبُ، لم يأتِ قبلَه ولا بعدَه مثلُه - يُكثر في تصانيفه الوعظية من إيراد الأحاديث الموضوعة، وما يُقاربها مما لا تَصح نسبتُه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
(¬6) ص 137.
(¬7) في (ب): بسور قطر.
(¬8) في (ش): التشبيه.
(¬9) في (ش): يزول.