كتاب طبقات علماء الحديث (اسم الجزء: 3)

قال: وقرأ بمكَّة "الصَّحيح" على كريمة (¬1) في خمسة أيام، وخَرَج من بغداد بعد فتنة البَسَاسِيري (¬2) إلى الشَّام، سمِعْتُ الخطيب مسعود بن محمد بمرو، سمعت الفَضْل بن عمر النَّسَوي يقول: كنت بجامع صُور عند الخطيب، فدَخَلَ عليه عَلَويّ، وفي كُمِّه دنانير، فقال: هذا الذَّهَب تصرِفُهُ في مُهِمَّاتك. فقطَّبَ وقال: لا حاجة لي فيه. فقال: كأنك تَسْتَقلُّه. ونَفَضَ كُمَّه على سَجَّادة الخطيب، وقال: هي ثلاث مئة دينار. فخَجِلَ الخطيبُ وقام، وأخذ سَجَّادته، وراح فما أنسى عِزَّ خروجه وذُلَّ العَلَوي، وهو يجمع الدَّنانير (¬3).
وقال أبو زكريا التِّبْرِيزي: كنت أقرأ على الخطيب بحَلْقَته بجامع دمشق كُتُب الأدب المسموعة له، وكنت أسكُن مَنَارة الجامع، فَصَعِدَ إليَّ وقال: أحببتُ أن أزورَك. فتحدَّثْنا ساعةً، ثم أخرج ورقة وقال: الهديةُ مُسْتَحبَّةٌ، اشترِ بهذه أقلامًا، وقام، فإذا خمسةُ دنانير. ثم صَعِدَ مَرَّة أُخرى ووضع نحوًا من ذلك. وكان إذا قرأ الحديث يُسْمَع صَوْتُه في آخر الجامع، وكان يقرأ معربًا صحيحًا. (¬4)
وقال ابنُ شَافع: خَرَجَ الخطيبُ فقصد صور، وبها عِزّ الدَّوْلة أحد الأجواد، وتقرّب منه فانتفع به وأعطاه مالًا كثيرًا، انتهى إليه الحِفْظ والإِتقان، والقيام بعلُوم الحديث.
¬__________
(¬1) كريمة بنت أحمد بن محمد المروزية، عالمة، صالحة، توفيت بمكة سنة (463 هـ)، انظر "المنتظم": 8/ 270.
(¬2) انظر "الكامل": 9/ 640 - 650.
(¬3) "معجم الأدباء": 4/ 31 - 32.
(¬4) "معجم الأدباء": 4/ 32.

الصفحة 336