كتاب الأزهر في ألف عام (اسم الجزء: 3)

مع غاية الديانة والصيانة، وله بعض تآليف في الطب وغيره، زيادة عن تآليفه المشهورة، فلو تشبث من الآن فصاعدا نجباء أهل العلم الأزهريين بالعلوم العصرية التي جددها الخديو بمصر، بإنفاقه عليها أوفر أموال مملكته، لفازوا بدرجة الكمال، وانتظموا في سلك الأقدمين من فحول الرجال، وربما يتعللون بالاحتياج إلى مساعدة الحكومة، والحال أن الحكومة إنما تساعد من يلوح عليه علامات الرغبة والغيرة والاجتهاد، فعمل كل من الطرفين متوقف على عمل الآخر، فترجع المسألة دورية، والجواب عنها أن الحكومة قد ساعدت بتسهيل الوسائط والوسائل، ليغتنم فرصة ذلك كل طالب وسائل، وكل من سار على الدرب وصل، وإنما المكافأة على تمام العمل.

- 3 -
وقد ازدهر القرن التاسع عشر بكوكبة من المصلحين، من أمثال الأفغاني (1839 - 1897 م) وعلى مبارك (1823 - 1893 م) والسيد عبد الرحمن الكواكبي (1848 - 1902 م) والشيخ محمد عبده (1849 - 1905 م)، وكان هؤلاء المصلحون يتجهون أول ما يتجهون إلى إيقاظ الفكر المصري والعربي، وإلى تجديد النهضة الدينية.
ولما حضر جمال الدين الأفغاني إلى مصر لأول مرة سنة 1286 ه‍ أقام في القاهرة أربعين يوما، تردد فيها على الجامع الأزهر، واتصل به كثير من العظماء والطلاب، ثم ترك القاهرة إلى الأستانة، فوصل إليها في سنة 1287 ه‍، ولكن الدسائس أحاطت من كل جانب، ومن أجل ذلك عاد جمال الدين إلى القاهرة في أوائل سنة 1288 ه‍، فأكرمه إسماعيل، وأجرى عليه راتبا يليق به، فجعل من بيته مدرسة يقصدها النابهون من طلاب العلم في الأزهر وغيره، وكان يدرس لهم أمهات الكتب في علم الكلام والحكمة والهيئة والتصوف وأصول الفقه، ولم يكن يقصد من دروسه

الصفحة 113