كتاب الأزهر في ألف عام (اسم الجزء: 3)

وعلي مظهر، وأديب إسحق وغيرهم. وفي هذه المدرسة حول مجرى الأدب ونقله من حال إلى حال، كان الأدب عند الحكام لا هم له إلا مدح الملوك والأمراء، والتغني بأفعالهم وصفاتهم، فأتى جمال الدين وسخّر الأدب في خدمة الشعب، يطالب بحقوقه، ويدافع عنه من ظلمه، يبين للناس سوء حالتهم، ويبصرهم بمن كان سبب فقرهم، ويحرضهم أن يخرجوا من بؤسهم وضلالهم وألا يخشوا بأس الحاكم فليست قوته إلا بهم، فكان أدبه ينظر للشعب أكثر مما ينظر إلى الحاكم، وينشد الحرية ويفيض في حقوق الناس وواجبات الحاكم، ويجعل من الأديب مشرفا على الأمراء، لا سائلا يمد يده للأغنياء، كنت تتصفح آثار الأدباء أمثال: السيد على أبي النصر، والشيخ علي الليثي وعبد اللّه باشا فكري، فلا ترى موضوعاتهم غير غزل في حبيب، أو رسالة إلى صديق، أو مدح لأمير، أو استعطاف له، أو اعتذار إليه، أو وصف سفينة، أو شكر على هدية. أما مصر وحال شعبها، وبؤس أهلها، وظلم حكامها، وحقوق الناس، وواجبات الحكام، فلا ترى لذلك أثرا. فقلب جمال الدين هذا الوضع وفتح للأدباء منافذ القول، وكانت خطته في ذلك ما يأتي:
1 - كون جماعة حبب إليهم الكتابة، ورسم لها خطتها وأوحى إليهم بالمعاني وشجعهم على إنشاء الجرائد، يكتب فيها، ويستكتب القادر منهم، فأنشأ أديب إسحق جريدة «مصر» في القاهرة، و «التجارة» بالأسكندرية، وكان جمال يكتب فيها أحيانا باسم مستعار أو باسمه الحقيقي وقد كتب مقالين: أحدهما في الحكومات الشرقية وأنواعها، والثاني سماه «روح البيان في الأنجليز والأفغان» كان لهما صدى بعيد، ولقيت الصحيفتان رواجا كبيرا، ثم أغلقهما رياض باشا وكذلك وجه الكتاب في «الوقائع المصرية» وغيرها، وبذلك ربى طائفة من الكتاب تحسن الكتابة» واختيار الموضوعات، ووضع النواة الأولى للصحافة الشرقية والكتاب الذين يعالجون شئون وطنهم وحالة شعوبهم، والذي ساعده على النجاح في ذلك

الصفحة 115