كتاب الأزهر في ألف عام (اسم الجزء: 3)

يعوقه عن أي شأن من شئون الحياة، فكان معروفا بين إخوانه بقوة الشكيمة والصرامة في الحق، يحرص كل الحرص على مصالح طائفته، ويبذل كل الجهد لاستخلاص حقوقهم، ولو أدى ذلك إلى الاعتماد على القوة، والالتحام في المعركة، وكان إلى جانب هذا متفتح النفس، يهش للدعابة، ويطيب له التبسط في الحديث مع طلابه ومريديه، ويعنيه أن يتحقق بنفسه شئونهم العامة، ومسائلهم الخاصة، ومن ثم كان طلابه يخشونه أشد الخشية، ويحبونه أعظم الحب، وكان إذا ما أقبل على الدرس في كل يوم بعد الصلاة الأولى أقبلوا عليه، فيفضون إليه بما في نفوسهم، ويسمعون منه بما يشير به عليهم، ثم يفرغون معه لدرس التفسير في كتاب اللّه الكريم، وما يزالون حتى ترتفع الشمس، ثم ينصرفون للاستعداد لدرس آخر.
ولكن الشيخ أقبل على طلابه في ذلك اليوم، وهو على تلك الحال التي لم يألفوها منه، ولم يعرفوها عنه، وأشفق الطلاب أن يكون قد نزل بشيخهم مكروه في نفسه أو في أسرته، فقال قائل منهم: لا بأس على مولانا الشيخ فيما نرى، فقد فات موعد الدرس وهو منصرف عنا!
قال الشيخ في صوت محتبس أجش: كيف وهذا هو اليأس يأخذ بنواصينا وأقدامنا، وهذا هو الكرب يشد على خناقنا شدا عنيفا، فليس لنا منه متنفس. وفيم أنتم وهذا الدرس، وما هو إلا كلام تلو كونه بألسنتكم، وتخورون به خوار البقر، ولكنكم واللّه لا تحسونه بقلوبكم، ولا تعرفون فيه حق دينكم، وهل حسبتم أن الإسلام هو تلك الكلمات التي ترددونها وتناقشونها ثم تنصرفون بها إلى الناس، وكأنها تجارة كلامية، حسبكم من الربح فيها تلك الفضلات التي تقيم أودكم، وتمسك رمقكم، إذن فيا ضيعة الإسلام فيكم، ويا خسارته بكم، ولست أدرى أهي نهاية الزمان، أم أن اللّه مقيض لهذا الأمر من ينهض به ويبعثه بعثا جديدا في عقول هذه الأمة وقلوبها؟!

الصفحة 292