كتاب الأزهر في ألف عام (اسم الجزء: 3)

قال الطالب: وهل عرف شيخنا على أحد منا سوءا في دينه، أو تفريطا في حق من حقوقه؟!
قال الشيخ: وما ذا بقي هناك من حقوق دينكم؟ وأي أثر لذلك في نفوسكم؟ لقد جل الخطب حتى أوشك أن لا يبقى من هذا الدين بقية تتصل بأرواحكم، هؤلاء هم الفرنسيون الكفار قد وطأوا بلادكم فسكتم، ثم انتهبوا دوركم وأموالكم فأذعنتم، ثم انتهكوا حرماتكم وأعراضكم فرضيتم وصبرتم، وها هم أولاء-فيما عرفت-يعمدون إلى تغيير نظام المواريث في دينكم، فيجعلون حق الإرث كله للبنت وليس للولد منه شيء كما هو شرعهم، ومتى بطل جزء من الشريعة فإنها جميعها لا بد صائرة إلى المسخ والزوال، وإنكم لصائرون غدا أرقاء في خدمة هؤلاء الفرنسيس الكفار، وبكم تكون نهاية هذا الدين، وزوال الملة، ونعوذ باللّه من هذا الزمان.
وسرت بين الطلاب همهمة وغمغمة، وارتفعت الصيحات استنكارا لتلك النازلة الساحقة التي حلت بالمسلمين في دارهم، ووقف بعض الطلاب يتكلمون، فمنهم من يلقي اللوم على أولئك المماليك الجبناء الذين فروا من مواجهة العدو وتركوا الشعب يتلظى في أتون المعركة، ومنهم من يعتب على دولة بني عثمان التي تركت الفرنسيين يصلون إلى فتح هذه الديار، ومنهم من يسب الخائنين والمارقين من أبناء الطوائف الدخيلة على البلاد لأنهم تعاونوا مع العدو ومكنوه من رقاب الشعب، ومنهم من يقول:
إنه غضب اللّه على المسلمين جزاء ما فرطوا في دينهم، وحقوق ملتهم.
وعاد الشيخ الجوسقي يتكلم فقال: حسبكم يا أبنائي هذا الضجيج على غير طائل، إننا اليوم لسنا في مقام توزيع التبعات وليس من الحكمة أن نترك السفينة تهوي إلى القاع ونحن مشغولون بمعرفة الملوم في هذه الكارثة، وإنما الواجب أن نفزع لدفع النازلة التي حلت بنا ثم نصفي أمورنا

الصفحة 293