كتاب الأزهر في ألف عام (اسم الجزء: 3)

وتساقطت القنابل على الدور وفوق السكان، ولم يكن دوي القنابل مألوفا لعامة الشعب، فسار بينهم الفزع والرعب، ولكن المرابطين على المتاريس وقفوا ثابتين يدافعون في شجاعة وعناد، وأمضت القاهرة ليلة مظلمة لم تعهدها من قبل، فكنت لا تسمع في وسط ذلك الظلام الخانق الرهيب، إلا دوي القنابل وهي تتساقط في كل مكان، وإلا صيحات المجاهدين والمدافعين وهي تتجاوب بالثبات والإقدام، وطال الترقب، والفريقان يتبادلان الرمي والضرب، وأرسل الفرنسيون إلى شيوخ الأزهر أكثر من مرة لعلهم يتدخلون لتهدئة الثورة، ولكن المواطنين أصروا على الكفاح إلى آخر رمق من حياتهم.
واستمرت المعركة دائرة يومين وليلة وتساقط القتلى من الجانبين في الشوارع والطرقات وتهدمت الدور في كثير من المواقع، وبقي المواطنون في أماكنهم صامدين، يناضلون ويدافعون حتى فقدت الذخيرة منهم، فوقفوا عن الضرب والرمي، وانفتحت الأبواب أمام الفرنسيين، فانحدروا إلى القاهرة بخيلهم ورجلهم وهم يمعنون في الأهالي العزل قتلا وفتكا، وعاثوا في حي الأزهر جميعه، ثم اقتحموا الجامع الأزهر بخيولهم، واستباح أولئك الذين جاءوا يبشرون في الشرق بمبادىء الثورة الفرنسية ذلك الحرم المقدس، فربطوا فيه خيولهم، وشربوا فيه الخمور، وعاثوا بكل ما فيه من المصاحف والكتب والخزائن فسادا وتلفا وداسوها بنعالهم.
وأصبح الصباح في اليوم التالي، وكانت القوات الفرنسية كلها قد تجمعت في حي الأزهر وفي جميع الأحياء التي عضدت الثورة، وأخذوا ينهبون الدور ويبحثون عن السلاح في كل مكان، ثم أخذوا يبحثون عن الشيوخ الذين تزعموا الثورة واعتقلوا الشيخ سليمان الجوسقي شيخ طائفة العميان، والشيخ أحمد الشرقاوي، والشيخ عبد الوهاب الشبراوي، والشيخ يوسف المصيلحي، والشيخ إسماعيل البراوي، وحبسوهم في بيت البكري

الصفحة 296