كتاب الأزهر في ألف عام (اسم الجزء: 3)

وجلاها للطالب، بعد ما أصلح من خلقها، وزان من معارفها، حتى ظهرت محببة للقلوب، رشيقة في مؤانسة البصائر، تهش للفهم، وتبش للطف الذوق، وتسابق الفكر إلى مواطن العلم، فلا يكاد يلحظها الوهم إلا وهي من النفس في مكان الإلهام، فما أعجز قلمي عن الشكر لك، وما أحقك بأن ترضى من الوفاء باللقاء.
3 - وكتب إلى أحد أصحابه وهو في السجن كتابا يفيض بالألم، استهله بقول الشاعر:
تقلدتني الليالي وهي مدبرة كأنني صارم في كف منهزم
ثم قال بعد قليل:
رأيت نفس اليوم في مهمه لا يأتي البصر على أطرافه، في ليلة داجية غطى فيها وجه السماء بغمام سوء، فتكاثف ركاما ركاما، لا أرى إنسانا، ولا أسمع ناطقا، ولا أتوهم مجيبا، أسمع ذئابا تعوي، وسباعا تزأر، وكلابا تنبح، كلها يطلب فريسة واحدة، هي ذات الكاتب، ذهب ذوو السلطان في بحور الحوادث الماضية يغوصون لطلب أصداف من الشبه، ومقذوفات من التهم، وسواقط من اللمم، ليموهوها بمياه السفسطة، ويغشّوها بأغشية من معادن القوة، ليبرزوها في معرض السطوة، ويغشوا بها أعين الناظرين.
وقال في آخره:
آه ما أطيب هذا القلب الذي يملي هذه الأحرف، ما أشد خطبه للولاء، وما أغيره على حقوق الأولياء، وما أثبته على الوفاء، هذا القلب الذي يؤلمونه بأكاذيبهم، هو الذي سر قلوبهم بالترقية، وملأها فرحا بالتقدم.

الصفحة 312