كتاب الأزهر في ألف عام (اسم الجزء: 3)

4 - ومن رسالة له إلى بعض علماء الشام حين هنأه بمنصب الإفتاء، قال:
أما قومي فأبعدهم عني أشدهم قربا مني، وما أبعد الإنصاف منهم، يظنون بي الظنون، بل يتربصون بي ريب المنون، تسرعا منهم في الأحكام، وذهابا مع الأوهام، وولعا بكثرة الكلام، وتلذذا بلوك الملام، أدعو فلا يستجيبون، وأعمل فلا يهتدون، وأريهم مصالحهم فلا يبصرون، وأضع أيديهم عليها فلا يحسون بل يفرون إلى حيث يهلكون، شأنهم الصياح والعويل، والصخب والتهويل، حتى إذا جاء حين العمل صدق فيهم قول القائل:
لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ... ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
وأقول: ولا في الخير
وإنما مثلي فيهم مثل أخ جهله إخوته، أو أب عقته ذريته، أو ابن لم يحن عليه أبواه وعمومته، مع حاجة الجميع إليه، وقيام عمدهم عليه، يهدمون منافعهم بإيذائه، ولو شاءوا لاستبقوا باستبقائه، وهو يسعى ويدأب، ليطعم من يلهو ويلعب، على أني أحمد اللّه على الصبر، وسعة الصدر، إذا ضاق الأمر، وقوة العزم، وثبات الحلم، إذا اشتد الظلم، وإن كنت في خوف من حلول الأجل، قبل بلوغ الأمل. . . الخ.
5 - ومن أمثلة كتابته العلمية قوله في أحد فصول رسالة التوحيد:
جاء القرآن فنهج بالدين منهجا لم يكن عليه ما سبقه من الكتب المقدسة، منهجا يمكن لأهل الزمن الذي أنزل فيه ولمن يأتي بعدهم أن يقوموا عليه، فلم يقصر الاستدلال على نبوة النبي صلى اللّه عليه وسلم بما عهد الاستدلال به على النبوات السابقة، بل جعل الدليل في حال النبي مع نزول الكتاب عليه في شأن من البلاغة يعجز البلغاء عن محاكاته، ولو في مثل أقصر سورة منه، وقص علينا من صفات اللّه ما أذن اللّه لنا، أو ما أوجب علينا أن

الصفحة 313