كتاب الأزهر في ألف عام (اسم الجزء: 3)

الشرقاوي، ومحمد المهدي وسليمان الفيومي، وحسن العطار. وتجلت ريادته في طلابه النجباء الذين أرسلوا إلى أوروبا ليستفيدوا ويستزيدوا، كإبراهيم النبراوي، وأحمد حسن الرشيدي، ومحمد علي البقلي، ورفاعة الطهطاوي، وعلي مبارك، وتلك يد أخرى لهذا المعهد الجليل على اللغة العربية، ساعدها على النهوض، كما حماها من قبل دون السقوط.
هاتان هما المحنتان اللتان عانتهما العربية في عهدين متواليين، ثم جعل اللّه نجاتها منهما بفضل الأزهر حفظا لكتابه وصونا لدينه.
وهناك محنة ثالثة تجتازها اللغة اليوم وتوشك أن تبلبل اللسان وتعطل القرآن وتقطع الدين عن أصله، وتفصل العربي عن أهله، وتهبط بالأدب من جبل الوحي وهيكل عطارد حيث الترفع والسمو والنبل، إلى حضيض المادية حيث التسفل والتبذل والفحش.
تلك هي محنة الإباحية اللغوية التي تغلب العامية على الفصحى، وتؤثر أدب العامة على أدب الخاصة، وتفضل الموضوع المثير على الموضوع المنير، وتريد أن يكتب الكاتب وينظم الشاعر كما يشاء، لا يتقيد بقاعدة من نحو ولا قياس من صرف ولا نظام من بلاغة ولا وزن من عروض ولا مثال من خلق. ولهذه المحنة أو المشكلة أصلان: الاستعمار والجهل.
أما الاستعمار فلأنه رأى أن الرابطة بين المسلمين على اختلاف أقطارهم وتباعد ديارهم هي الدين واللغة، وما دامت أمة محمد روحا واحدا بالإسلام، ولسانا واحدا بالعربية، فإن استغلالها موقوت وإن طال، وإن استقلالها آت وإن تأخر، لذلك سعت فرنسا سعيها الدائب في الجزائر لفتنة البربر عن دينهم بإصدار الظهير المعروف، وقطع العرب عن لغتهم بطردها من المدارس والدواوين. ولكن دين اللّه كان أقوى من ظهير فرنسا، ولغة المصحف كانت أمضى من لغة السيف. واكتفت انجلترا على عادتها من الدهاء والكياسة بمحاربة الفصحى فدعت إلى العامية بلسان موظفيها

الصفحة 367