كتاب الأزهر في ألف عام (اسم الجزء: 3)

وفريق من العلماء يقوم بتعليم العامة في بيوت اللّه تعالى حين يجتمعون للصلاة وإذا كان في كل مسجد عالم يدعو إلى دين اللّه فكثير ما هم. وإذا أردت أن تعرف صدق القول في ذلك فاسأل أي رجل في عرض الطريق عما يعرف من واجبات دينه فيقول لك مثلا الصلاة الزكاة الحج الصوم صلة الأرحام وكل ما يعز دين اللّه ويسعد الأوطان ثم سله عما حرم اللّه فيقول لك: الربا الزنى الخمر الغيبة والتميمة وكل سعى بالفساد بين الناس وهكذا والعامي الذي يجيبك بهذا لم يولد من بطن أمه عالما بهذه الأحكام ولكنه مدين في علمه بذلك لبيان العلماء الذين هم ورثة الأنبياء.
بعد هذا اعترف للسائل بأن العلماء وإن أدوا رسالتهم بالنسبة لعامل البيان وعليه تقوم نصف الرسالة فإنهم لم يقوموا بتنفيذ ما بينوا للناس من معالم الحلال والحرام، فهم يرون شارب الخمر يشربها ولا يكسرون كأسه ويرون الربا قد فشا التعامل به، ولم يقضوا على آثاره ويرون النساء العاريات متبذلات ولا يتعرضون للقضاء على هذه المظاهر الخلقية بالقوة والسلطان.
ويرون كثيرا من النكرات يقوم بها العام والخاص ولا يستطيعون تغيير هذه المنكرات إلا بقلوبهم وذلك أضعف الإيمان. أتدري أيها المنصف لما ذا؟ لما ذا ضعف العلماء عن تغيير هذه المنكرات؟ لأن زمام الأمور لما تولاه في الماضي قوم وهنوا في أمر دينهم استطاع المستعمرون أن يستخدموهم في نزع السلطة الدينية من العلماء ومكنوا لهم حتى شرعوا للناس قوانين وقفت عقبة في سبيل الدعوة إلى اللّه، وحالت دون تغيير ما حرم اللّه فالعالم إذا تعرض مثلا لكسر الكأس الذي بيد شارب الخمر أدين في القانون الذي رخص بشرائها وشربها والتجارة فيها وإذا تعرض لبيان قوله تعالى: وَأَحَلَّ اَللّهُ اَلْبَيْعَ وَحَرَّمَ اَلرِّبا اعترضه المشروع الذي أحل الربا ورخص للقضاء أن يحكم به.
وإذا نهى العالم عن مظاهر الفتنة التي يتسابق فيها النساء الفاجرات رموه بالرجعية وأنه عدو الحرية وإذا أبان للناس ما كرم اللّه به المرأة من قوامة

الصفحة 54