كتاب الأزهر في ألف عام (اسم الجزء: 3)

ومغاربها نورا، حتى يطمئن العقل الحائر، ويسعد العالم الشقي، وتنعم الإنسانية المعذبة، وتسود كلمة الحق والخير والفضيلة، وتعود الحياة سيرتها الأولى. ولم لا يستصغر المشقات في جانب روح الأبد، وراحة الضمير. . . لا يأس في الدعوة، فإنه لا ييأس من روح اللّه إلا القوم الكافرون، ولا ونى في الهداية، فإنه لا يبني في ميدان الجهاد إلا من لبس إيمانه بظلم، ولا عمل إلا للّه ورسوله، فإن أجدر عمل بالظفر والسداد ما كانت غايته اللّه ورسوله. فإما أن يحيى للدعوة مجاهدا لإظهار كلمة اللّه، وإما أن يموت في ميدانها شهيدا.
أين الأزهري الذي يدعو الناس بخلقه وأدبه وطريقته، إلى ما يدعوهم إليه بقوله وبيانه وحجته؟. . وهل تكون العظة ذات أثر إلا إذا صدرت من مؤمن عامل بها، وممن يأمر بالمعروف ولا ينسى نفسه؟ فما أفحم الداعي إلى مكرمة لم يندب نفسه لها وإن كان بليغا منطقيا. على الأزهري أن يدعو الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، والحجة البالغة، والآية المبصرة. . .
يأخذ الناس على حسب عقولهم، ويكلمهم بما يؤثر في نفوسهم ويعرض عليه نواحي الجمال في العقيدة الإسلامية، ويبين لهم ما فيها من دعوة إلى الحق والخير والجمال والعدالة، ومن إعزاز للنفس الإنسانية وسمو بها، وتكريم لقدر الإنسان في الحياة، وما فيها من ألوان الإصلاح في السياسة والاجتماع والاقتصاد والعلم والعمران، ومن سماحة في المبادىء وسهولة في التشريع، ويسر في الشعائر، وما فيها من ديمقراطية عالية، وروحية سامية، وإخاء كريم وعدالة ومساواة وإيثار ضربت بها الأمثال بين الناس.
وعليه أن يضرب لهم الأمثال بالأسلاف الأولين، وما كان لهم من المواقف الرائعة، والمشاهد الماجدة، والصفحات الناصعة في كل ميدان. . . وأن يفصل لهم المدى الذي بلغته الحضارة الإسلامية والفكر الإسلامي، وما كان لهما من آثار بعيدة في النهضة الغربية الحديثة. وأن يعاضد رجال الفكر والثقافة والصحافة، ويتخذهم أصدقاء يساعدونه على أداء رسالته الدينية

الصفحة 56