كتاب الأزهر في ألف عام (اسم الجزء: 3)

حتى تصير الفضيلة شعارا وملكة، وحتى تصدر أعمال الخير من غير تعمل وروية. ومن لوازم الداعي والمرشد أن يكون شجاعا صادقا قوي الإيمان بما يدعو إليه يرى في الإقدام لذة، وحقا للنفس الخيرة يؤديه احتسابا للّه لا على أنه مكلف به، يؤديه للأجر وزيادة الدرجات والمرتبات، ومن حق الداعي أن يكون بصيرا بالوسط الذي يعيش فيه، خبيرا بأحوال النفوس، واسع الحيلة في التنقل من طريق إلى طريق، يقصد إلى الهداية المطلوبة من طريقها النافع. وليس أفعل في النفوس من جلال تسكبه التقوى وملازمة حدود اللّه، ومن جمال يلقيه العلم الناضج على صاحبه، ومن هيبة يوجدها الإعراض عن الدنيا وعدم الحرص عليها، وقد شاهدنا فقراء ليس لهم جاه رسمي، ولا عزة عصبية، يهابهم أصحاب المقامات الرفيعة والأموال المكنوزة، وينكمشون أمام هيبتهم التي بسطتها التقوى وزانهم بها العزيز الحكيم.
والحرص على الدنيا يفسد على العالم لذة العلم، ويفسد عليه الغاية التي يطلبها، وهي الهداية، والناس لا شك زاهدون في العلماء إذا رأوهم مقبلين عليها معرضين عن الآخرة. فلتكن الدنيا مطلوبة بالقدر الذي تستحقه، وفي الدرجة التالية لدراسة العلم وتحصيله واللذة به نفسه، وباعتباره وسيلة من وسائل الآخرة، وطريقا لرضي اللّه ورسوله. ولقد كانت للأزهريين تقاليد متوارثة محمودة، وهي عطف الكبير على الصغير، وتوقير الصغير للكبير، واحترام الأسلاف، والصبر على الدرس والتحصيل، وتفهم المسائل بعللها وأسبابها وما يتفرع عنها ويتولد منها، لا يبالون في سبيل ذلك بالوقت والجهد ويرونه أكبر لذة للنفس وأكبر متاع للعقل، ويرونه واسطة المجد وطريق الشرف والكرامة، وكان طالب العلم إذا لم يفهم كتابا أعاده، وإذا لم يفهم مسألة فتش عمّن يفهمها منه، وكانت اجتماعاتهم لا تخلو من المذاكرة في مسألة من مسائل العلم، وقد رأينا منهم من كان أهلا للتدريس وللتقدم للامتحان وكان يحجم لأنه يريد الاستزادة وتكميل النفس،

الصفحة 58