الفريضة يرفع يديه، حتى إنك تَشكُّ هل دعا أم لا؟ ثم يمسحُ وجهَه، ويمسحُ يديه بعضهن ببعض، ثم يُصلِّي، فيُلازمون على هذا ظنًّا منهم أنَّه أمرٌ واجب، أو قريب مِن الوجوب، فهذا لا شَكَّ أنه لا أصل له، ولهذا ينبغي لطَلَبةِ العِلم أن يُنبِّهوا النَّاسَ، ولكن بالرفق، لأنَّ العامة إذا أُنكِرَ عليهم ما اعتادوه نفروا، فإذا أُتوا بالحكمة واللِّين قَبِلوا، ولذلك ما أكثر الذين يسألون عن حُكم رَفْعِ اليدين بعد الصَّلاة النَّافلة! فيظنُّون أن الحُكم معلَّق برَفْعِ اليدين، والحكم ليس معلَّقاً برِفْعِ اليدين، بل الحُكم معلَّق بالدُّعاء، سواء رَفَعْتَ أم لم ترفع، فما دُمت تريد أن تدعو الله فادعه قبل أن تُسلِّم، فهذا هو المشروع.
قوله: «ويدعو بما وَرَدَ»، «ما» اسم موصول يشمَلُ كُلَّ الوارد، ولكن ليس مراده أن كلَّ دُعاء وَرَدَ في السُّنَّة يُدعَى به هنا، وإنما مراده بما وَرَدَ الدُّعاء به في هذا المكان، ومنه ما سبق: «اللَّهُمَّ أعنِّي على ذِكْرِك، وشكرك، وحُسن عبادتك» (¬1)، ومنه ما علَّمه النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أبا بكر رضي الله عنه حين قال: يا رسول الله، علِّمني دعاء أدعو به في صلاتي قال: «قل: اللَّهُمَّ إنِّي ظلمتُ نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفِرُ الذُّنوبَ إلا أنت، فاغفِرْ لي مغفرةً من عندك، وارحمنِي؛ إنك أنت الغفور الرحيم» (¬2). ولكن لو دعا بدعاء غير ذلك فإنه يجوز.
¬__________
(¬1) تقدم تخريجه ص (200).
(¬2) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام (834)؛ ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب الدعوات والتعوذ (2705) (48).