كتاب الشرح الممتع على زاد المستقنع (اسم الجزء: 3)

وقال بعض أهل العلم: تجزئ واحدة في النَّفل دون الفرض (¬1)؛ لأنه وَرَدَ عن النبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام «أنه سَلَّم في الوتر تسليمةً واحدةً تِلقاء وجهه» (¬2) وقالوا: إن النَّفل قد يُخفَّف فيه ما لا يُخفَّف في الفرض.

فهذه أقوال ثلاثة. والاحتياط فيها أن يُسلِّم تسليمتين؛ لأنه إذا سَلَّم مرَّتين لم يقل أحدٌ مِن أهل العلم إن صلاتك باطلة، ولو سلَّمَ مرَّةً واحدة لقال له بعضُ أهل العلم: إن صلاتك باطلة. ومن المعلوم أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أمر بالاحتياط فيما لم يتضح فيه الدَّليل، فقال عليه الصَّلاة والسَّلام: «الحلالُ بيِّنٌ والحرامُ بيِّنٌ، وبينهما أمورٌ مشتبهات، فمَنِ اتقى الشُّبهات استبرأ لدينه وعِرْضِهِ، ومَنْ وَقَعَ في الشُّبهات وَقَعَ في الحرامِ» (¬3).

وقال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «دَعْ ما يَريبك إلى ما لا يَريبك» (¬4). وأنت إذا أتيت بالتَّسليمةِ الثانية فقد أتيت بذِكْرٍ تتقرَّبُ
¬__________
(¬1) «المغني» (2/ 244).
(¬2) أخرجه الترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في التسليم في الصلاة (296)؛ وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب من يسلم تسليمة واحدة (919)؛ وابن خزيمة (729) وصححه؛ والحاكم (1/ 230) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
وعند الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها بلفظ: «ثم يجلس فيتشهد ويدعو ثم يسلم تسليمة واحدة السلام عليكم يرفع بها صوته حتى يوقظنا» (6/ 236)، وصححه الألباني رحمه الله في «الإرواء» (2/ 32).
(¬3) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه (52)؛ ومسلم، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات (1599) (107).
(¬4) أخرجه الإمام أحمد (1/ 200)؛ والترمذي، كتاب صفة القيامة (2518) وقال: «حديث حسن صحيح»؛ والحاكم وصححه (2/ 13).

الصفحة 212